بـــــــــحـــــــر الأمــــــــــــــــــــل
السلام عليكم و رحمة الله
كـل عام و أنـتـم بـخـيـر
هذا الصندوق ليس للإزعاج بل هو للترحيب بكم
فإن كان يزعجكم اضغط على ( إخفاء ) ـ
و إن كان يهمكم أمر المنتدى فيسعدنا انضمامكم
بالضغط على ( التسجيل ) تظهر بيانات التسجيل البسيطة
و ننتظر مشاركتكم

يا ضيفنا.. لو جئتنا .. لوجدتنا *** نحن الضيوف .. و أنت رب المنزل ِ
كما نرجو الاحتفاظ برابط المنتدى التالى بالمفضلةfavorites

http://alamal.montadarabi.com
فإن أعجبك المنتدى فلا تتردد فى المشاركة


بـيـن الإبـحـار فـى الـثـقـافـة و حـب الله و رسـوله
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر
 

 كليله ودمنه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالإثنين 28 أبريل 2008 - 12:36

كليله ودمنه 665836

أحبتي في الله كلنا قد سمع او قرا من هذه السلسلة الشهيره كليله ودمنه

فقصصها ظريفة وفيها لمن اراد كل الفائده

وسأبدا ان شاء الله بهذه السلسله ، التي ارجو من الله ان تنال اعجابكم وان تزرع في نفسي ونفوسكم ما ورد فيها من حكم ومواعظ

لتكون لنا في بيتنا هذا بحر الامل سلساتنا التي ننتقيها من صفحات الانترنت ومن بطون الكتب ان شاء الله

وللبقية حديث لنعرف بهذه السلسله ونخوض في قصصها ونوادرها الظريفه
راجيا منكم الاعانه والتصحيح ان ورد فيها اخطاء او شائبة تشوبها

دمتم بخير

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عبد الله
مـــديــر الـمـنـتـدى
عبد الله

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 6437
درجة النشاط : 21259
تاريخ التسجيل : 22/03/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالإثنين 28 أبريل 2008 - 12:47

السلام عليكم
هلا و غلا بك يا أخى يوسف
ابدع و أروع بك و باختياراتك
line3
هيا طف بنا
و غص بنا
و نحن نواصل الابحار معك
نحاول ان ننهل من بحرك
فى منتدى بحر الأمل
تحيتى
و تقديرى

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

كليله ودمنه Sigpic529645_8



كليله ودمنه Gallery_3_123_6412
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالإثنين 28 أبريل 2008 - 15:54

السلام عليكم

ما صح عن هذا الكتاب والله اعلم انه من تأليف فيلسوف هندي اسمه بيدبا وقد قام عبالله بن المقفع بترجمته من الفارسيه ، وهو عباره عن قصص كثيره وروايات شتى تدور على السنة حيوانات الغابه ويرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم

قصصها مثيرة ومسليه وتشد انتباه القارء لما فيها من قافية جميله وحكمة طريفه وفائدة جمة كبيره ، وسأبدا هذه السلسلة ان شاء الله بقصة :



الغراب والثعبان
ligne6


زعموا أنّ غرابا كان له وكر في شجرة على جبل,وكان قريبا
منه جحر ثعبان أسود,فكان الغراب إذا فرّخ عمد الثّعبان إلى
الفراخ فأكلها,فبلغ ذلك من الغراب وأحزنه,فشكا ذلك إلى صديق
له من بنات آوى.

وقال له: أريد مشاورتك في أمر قد عزمت عليه.

قال له: وما هو؟

قال الغراب:قد عزمت أن أذهب إلى الثّعبان إذا نام فأنقر عينيه
فأفقأهما لعلّي أستريح منه.

قال ابن آوى: بئس الحيلة التي احتلت,فالتمس أمرا تصيب به
بغيتك من الثّعبان من غير أن تغرّر بنفسك وتخاطر بها,وإيّاك أن
يكون مثلك مثل العلجوم(وهو طائر) الذي أراد قتل السّرطانة
فقتل نفسه

قال الغراب: وكيف كان ذلك؟

قال ابن آوى: زعموا أنّ علجوما عشّش في بحيرة كثيرة
السّمك,فعاش بها ما عاش,ثمّ كبر في السّنّ فلم يستطع
صيدا,فأصابه جوع وجهد شديد,فجلس حزينا يلتمس الحيلة في
أمره,فمرّبه سرطان فرأى حالته وما هو عليه من الكآبة والحزن

فدنا منه وقال: مالي أراك أيّها الطّائر هكذا حزينا كئيبا؟

قال العلجوم: وكيف لا أحزن وقد كنت أعيش من صيد ما ههنا
من السّمك,وإنّي قد رأيت اليوم صيّادين قد مرّا بهذا المكان,فقال
أحدهما لصاحبه: إنّ ههنا سمكا كثيرا أفلا نصيده أوّلا
أوّلا؟,فقال الآخر: إنّي قد رأيت في مكان كذا سمكا أكثر من هذا
فلنبدأ بذلك فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه.

فانطلق السّرطان من ساعته إلى جماعة السّمك فأخبرهنّ
بذلك,فأقبلن إلى العلجوم فاستشرنه وقلن له: إنّا أتيناك لتشير
علينا فإنّ ذا العقل لا يدع مشاورة عدوّه

قال العلجوم: أمّا مكابرة الصّيّادين فلا طاقة لي بها, ولا أعلم
حيلة إلاّ المصير إلى غدير قريب من ههنا فيه سمك ومياه
عظيمة وقصب,فإن استطعتنّ الإنتقال إليه كان فيه صلاحكنّ
وخصبكنّ.

فقلن له: ما يمنّ علينا بذلك غيرك.

فجعل العلجوم يحمل في كلّ يوم سمكتين حتّى ينتهي بهما إلى
بعض التّلال فيأكلهما

حتّى إذا كان ذات يوم جاء لأخذ السّمكتين فجاء السّرطان فقال
له: إنّي أيضا قد أشفقت من مكاني هذا واستوحشت منه فاذهب
بي غلى ذلك الغدير .

فاحتمله وطار به حتّى إذا دنا من التّلّ الذي كان يأكل السّمك فيه
نظر السّرطان فرأى عظام السّمك مجموعة هناك,فعلم أنّ
العلجوم هو صاحبها وأنّه يريد به مثل ذلك,فقال في نفسه: إذا
لقي الرّجل عدوّه في المواطن التي يعلم فيها أنّه هالك سواء
قاتل أم لم يقاتل كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه كرما وحفاظا.ثمّ
أهوى بكلبتيه على عنق العلجوم حتّى مات,وتخلّص السّرطان
إلى جماعة السّمك وأخبرهنّ بذلك.

وإنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ بعض الحيلة مهلكة
للمحتال,ولكنّي أدلّك على أمر إن أنت قدرت عليه كان فيه هلاك
الثّعبان من غير أن تهلك به نفسك وتكون فيه سلامتك.

قال الغراب: وما ذاك؟

قال ابن آوى: تنطلق فتبصر في طيرانك لعلّك أن تظفر بشيء
من حلىّ النّساء, فتخطفه ,فلا تزال طائرا بحيث تراك العيون,
حتى تأتي جحر الثّعبان فترمي بالحلىّ عنده,فإذا رأى النّاس ذلك
أخذوا حليّهم وأراحوك من الثّعبان.

فانطلق الغراب محلّقا في السّماء فوجد امرأة من بنات العظماء
فوق سطح تغتسل وقد وضعث ثيابها وحليّها جانبا,فانقضّ
واختطف من حليّها عقدا وطار به.

فتبعه النّاس ولم يزل طائرا واقعا بحيث يراه كلّ أحد حتّى انتهى
إلى جحر الثّعبان فألقى العقد عليه والنّاس ينظرون إليه,فلمّا
أتوه أخذوا العقد وقتلوا الثّعبان.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
هبة الله
نــائـبـة الـمـديـر سابقا
هبة الله

الساعة الآن :
الجنس : انثى
عدد المساهمات : 2285
درجة النشاط : 4396
تاريخ التسجيل : 21/03/2008
تعاليق : نائبة المدير سابقا

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالإثنين 28 أبريل 2008 - 16:48

السلام عليكم

فكرة رائعة اخي الملائكي

وننتظر القصص والعبر التي تتخلل كلمات هذه السلسلة

في انتظار البقية اخي

كليله ودمنه Eei90489
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالثلاثاء 29 أبريل 2008 - 15:07

السلام عليكم


لا تنصح الناس وتنسى نفسك

line3



قال الفيلسوف: زعموا أن حمامة كانت تفرخ في رأس نخلة طويلة ذاهبة في السماء، فكانت الحمامة تشرع في نقل العش إلى رأس تلك النخلة، فلا يمكن أن تنقل ما تنقل من العش وتجعله تحت البيض إلا بعد شدة وتعب ومشقة: لطول النخلة فإذا فرغت من النقل باضت ثم حضنت بيضها، فإذا فقست وأدرك فراخها جاءها ثعلب قد تعاهد ذلك منها لوقت قد علمه بقدر ما ينهض فراخها، فيقف بأصل النخلة فيصيح بها ويتوعدها أن يرقي إليها فتلقي إليه فراخها.
فبينما هي ذات يوم قد أدرك لها فرخان إذ أقبل مالك الحزين فوقع على النخلة. فلما رأى الحمامة كئيبة حزينة شديدة الهم قال لها مالك الحزين: يا حمامة، ما لي أراكي كاسفة اللون سيئة الحال?
فقالت له: يا مالك الحزين، إن ثعلباً دهيت به كلما كان لي فرخان جاء يهددني ويصيح في أصل النخلة، فأفرق منه فأطرح إليه فرخي. قال لها مالك الحزين: إذا أتاكِ ليفعل ما تقولين فقولي له: لا ألقي إليك فرخي، فارقَ إلي وغرر بنفسك. فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخي، طرت عنك ونجوت بنفسي.
فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطئ نهر.
فأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف، فوقف تحتها، ثم صاح كما كان يفعل. فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين. قال لها الثعلب: أخبريني من علمك هذا? قالت: علمني مالك الحزين. فتوجّه الثعلب إلى مالكاً الحزين على شاطئ النهر، فوجده واقفاً. فقال له الثعلب: يا مالك الحزين: إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رأسك? قال: عن شمالي. قال: فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رأسك. قال: أجعله عن يميني أو خلفي. قال: فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل ناحية فأين تجعله? قال: أجعله تحت جناحي. قال: وكيف تستطيع أن تجعله تحت جناحك? ما أراه يتهيأ لك. قال: بلى: قال: فأرني كيف تصنع? فلعمري يا معشر الطير لقد فضلكم الله علينا. إنكن تدرين في ساعة واحدة مثلما ندري في سنة، وتبلغن ما لا نبلغ، وتدخلن رؤسكن تحت اجنحتكن من البرد والريح. فهنيئاً لكن فأرني كيف تصنع. فأدخل الطائر رأسه تحت جناحه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دقت عنقه. ثم قال: يا عدو نفسه، ترى الرأي للحمامة، وتعلمها الحيلة لنفسها، وتعجز عن ذلك لنفسك، حتى يستمكن منك عدوك، ثم أجهز عليه وأكله.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالسبت 3 مايو 2008 - 12:03

السلام عليكم




مثل الشيخِ وبنيه الثلاثة

line3



قالَ دَبشَليمُ الملِكُ لِبَيْدَبا الفَيلَسوفِ وهو رأسُ البَراهِمَةِ: اضرِبْ لي مَثَلاً لِمُتَحابَّينِ يَقطَعُ بينهما الكَذوبُ المُحتالُ حتي يَحمِلَهُما علي العَداوَةِ والبَغضاءِ.

قالَ بَيدَبا: إذا ابتُلِيَ المُتَحابَّانِ بأن يَدخُلَ بينهما الكَذوبُ المُحتالُ لم يَلبَثا أن يَتَقاطَعا ويَتَدابَرا وآفَةُ المَوَدَّةِ النَّميمَةُ. ومن أمثالِ ذلك أنَّه كانَ بأرضِ دَسْتاوَنْدَ رجلٌ شيخٌ له ثلاثَةُ بَنينَ. فلمَّا بَلَغوا أشُدَّهُمْ أسرَفوا في مالِ أبيهِمْ ولم يكونوا احتَرَفوا حِرفَةً يَكسِبونَ بها لأنفُسِهِمْ خيرًا. فلامَهُمْ أبوهُمْ ووَعَظَهُمْ علي سوءِ فِعلِهِمْ. وكانَ من قَولِهِ لهم: يا بَنيَّ إنَّ صاحِبَ الدُّنيا يَطلُبُ ثلاثَةَ أمورٍ لن يُدرِكَها إلاَّ بأربَعَةِ أشياءَ. أمَّا الثَّلاثَةُ التي يَطلُبُ فالسَّعَةُ في الرِّزقِ، والمَنزلَةُ في الناسِ، والزَّادُ للآخرَةِ. وأما الأربَعَةُ التي يَحتاجُ إليها في دَرَكِ هذه الثَّلاثَةِ فاكتِسابُ المالِ من أحسَنِ وجهٍ يَكونُ، ثم حُسنُ القِيامِ علي ما اكتَسَبَ منه، ثم استِثمارُهُ، ثم إنفاقُهُ فيما يُصلِحُ المعيشَةَ ويُرضي الأهلَ والإخوانَ فَيَعودُ عليه نَفعُهُ في الآخرَةِ.

فمَنْ ضَيَّعَ شيئًا من هذه الأحوالِ لم يُدرِكْ ما أرادَ من حاجتِهِ. لأنَّه إن لم يَكتَسِبْ لم يكنْ له مالٌ يَعيشُ به. وإن هو كان ذا مالٍ واكتِسابٍ ثم لم يُحسِنِ القِيامَ عليه أوشَكَ المالُ أن يَفني ويَبقي مُعدِمًا. وإن هو وَضَعَهُ ولم يَستَثمِرْهُ لم تَمنَعْهُ قِلَّةُ الإنفاقِ من سُرعَةِ الذَّهابِ. كالكُحلِ الذي لا يُؤْخَذُ منه إلاَّ غُبارُ الميْلِ ثم هو معَ ذلك سَريعٌ فَناؤُهُ. وإن هو أنفَقَهُ في غيرِ وَجهِهِ ووَضَعَهُ في غيرِ مَوضِعِهِ وأخطَأَ به مَواضِعَ استِحقاقِهِ صارَ بمنزلَةِ الفَقيرِ الذي لا مالَ له. ثم لم يَمنَعْ ذلك أيضًا مالَهُ مِنَ التَّلَفِ بالحوادِثِ والعِلَلِ التي تَجري عليه كَمَحبِسِ الماءِ الذي لا تَزالُ المياهُ تَنصَبُّ فيه، فإن لم يكن له مُخَرجٌ ومَفاضٌ ومُتَنَفَّسٌ يَخرُجُ منه الماءُ بقَدَرِ ما يَنبَغي خَرِبَ وسالَ ونَزَّ من نَواحٍ كثيرَةٍ وربَّمَا انبَثَقَ البَثقَ العَظيمَ فَذَهَبَ الماءُ ضَياعًا.

وإنَّ بَني الشَّيخِ اتَّعَظوا بقَولِ أبيهِمْ وأخَذوا به وعَلِموا أن فيه الخيرَ وعَوَّلوا عليه، فانطَلَقَ أكبَرُهُمْ نحو أرضٍ يُقالُ لها مَيُّونُ. فأتي في طَريقِهِ علي مكانٍ فيه وَحلٌ كثيرٌ. وكان معه عَجَلَةٌ يَجُرُّها ثَورانِ يُقالُ لأحدِهِما شَتْرَبَةُ وللآخَرِ بَنْدَبَةُ. فَوَحِلَ شَتْربَةُ في ذلك المكانِ، فعالَجَهُ الرجلُ وأصحابُهُ حتي بَلَغَ منهُمُ الجَهدُ فلم يَقدِروا علي إخراجِهِ. فَذَهَبَ الرجلُ وخَلَّفَ عندَهُ رجلاً يُشارِفُهُ لعلَّ الوَحلَ يَنشَفُ فَيَتْبَعَهُ به. فلمَّا باتَ الرجلُ بذلك المكانِ تَبَرَّمَ به واستَوحَشَ. فتَرَكَ الثَّورَ والتَحَقَ بصاحبِهِ فأخبَرَهُ بأنَّ الثَّورَ قد ماتَ. وقالَ له إنَّ الإنسانَ إذا انقَضَتْ مُدَّتُهُ وحانَتْ مَنِيَّتُهُ فهو وإن اجتَهَدَ في التَّوَقّي مِنَ الأمورِ التي يَخافُ فيها علي نفسِهِ الهَلاكَ لم يُغنِ ذلك عنه شيئًا. وربما عادَ اجتِهادُهُ في تَوَقِّيهِ وحَذَرِهِ وَبالاً عليه

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالإثنين 5 مايو 2008 - 17:39

السلام عليكم

لا ينفع الندم

line3

زعموا أن حمامتين ذكرا" و أنثى ملاأا عشّهما من الحنطة و الشّعير. فقال الذكر

للأنثى : إنّا إذا وجدنا في الصّحارى ما نعيش به فلسنا نأكل ممّا ههنا شيئا".فإذا

جاء الشتاء و لم يكن في الصحارى شيء رجعنا إلى عشّنا فأكلناه.فرضيت الأنثى

بذلك و قالت له :نعما" رأيت.و كان ذلك الحب نديا" حين وضعاه في

عشّهما.انطلق الذّكر و غاب،فلمّا جاء الصّيف يبس الحبّ و تضمّر،فلمّا رجع الذكر

، ظن الحبّ ناقصا" فقال لها : أليس كنّا جمعنا رأينا على ألّا نأكل منه شيئا" فلم

أكلته؟فجعلت تحلف انّها ما أكلت منه شيئا" ، و جعلت تتنصّل إليه فلم يصدّقها و

جعل ينقرها حتّى ماتت.

فلمّا دخل الشتاء و جاءت الأمطار تندّى الحبّ و امتلأ العش كما كان،فلمّا رأى

الذكر ذلك ندم ، ثم اضطجع إلى جانب الحمامة و قال:ما ينفعني الحبّ و العيش

بعدك إذا طلبتك فلم أجدك و لم أقدر عليك ، و إذا فكّرت في أمرك و علمت أنّي

ظلمتك و لا أقدر على تدارك ما فات.ثمّ استمرّ على حزنه فلم يطعم طعاما" أو

شرابا" حتّى مات إلى جانبها.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالأربعاء 7 مايو 2008 - 15:28


كليله ودمنه 665836

مثل إخوان الصفاء وأتلافهم في الصحبة

line3



قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل المتحابين كيف قطع بينهما الكذب وإلى ماذا صار عاقبة أمره من بعد ذلك. فحدثني، إن رأيت؛ عن إخوان الصفاء كيف يبتدأ تواصلهم ويستمع بعضهم ببعض? قال الفيلسوف: إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيئا فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمؤاسون عند ما ينوب من المكروه. ومن أمثال ذلك مثل الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب. قال الملك: وكيف كان ذلك? قال بيدبا: زعموا أنه كان بأرض سكاوندجين، عند مدينة داهر، مكان كثير الصيد، ينتابه الصيادون؛ وكان في ذلك المكان شجرة كثيرة الأغصان ملتفة الورق فيها وكر غراب فبينما هو ذات يوم ساقط في وكره إذ بصر بصياد قبيح المنظر، سيئ الخلق، على عاتقه شبكة، وفي يده عصاً مقبلاً نحو الشجرة، فذعر منه الغراب؛ وقال: لقد ساق هذا الرجل إلى هذا المكان: إما حيني وإما حين غيري. فلأثبتن مكاني حتى أنظر ماذا يصنع. ثم إن الصياد نصب شبكته، ونثر عليها الحب، وكمن قريبا منها، فلم يلبث إلا قليلا، حتى مرت به حمامة يقال لها المطوقة، وكانت سيدة الحمام ومعها حمام كثير؛ فعميت هي وصواحبها عن الشرك، فوقعن على الحبِّ يلتقطنه فعلقن في الشبكة كلهن؛ وأقبل الصياد فرحاً مسروراً. فجعلت كل حمامة تضطرب في حبائلها وتلتمس الخلاص لنفسها. قالت المطوقة: لا تخاذلنا في المعالجة ولا تكن نفس إحداكن أهم إليها م نفس صاحبتها؛ ولكن نتعاون جميعاً فنقلع الشبكة فينجو بعضنا ببعض؛ فقلعن الشبكة جميعهن بتعاونهن، وعلون في الجو؛ ولم يقطع الصياد رجاءه منهن وظن أنهن لا يجاوزن إلا قريباً ويقعن. فقال الغراب: لأتبعهن وأنظرو ما يكون منهن. فالتفتت المطوقة فرأت الصياد يتبعهن. فقالت للحمام: هذا الصياد مجد في طلبكن، فإن نحن أخذنا في الفضاء لم يخف عليه أمرنا ولم يزل يتبعنا وإن نحن توجهنا إلى العمران خفي عليه أمرنا، وانصرف. وبمكان كذا جرذٌ هو لي أخ؛ فلو انتهينا إليه قطع عنا هذا الشرك. ففعلن ذلك. وأيس الصياد منهن وانصرف. وتبعهن الغراب. فلما انتهت الحمامة المطوقة إلى الجرذ، أمرت الحمام أن يسقطن، فوقعن؛ وكان للجرذ مائة حجر للمخاوف فنادته المطوقة باسمه، وكان اسمه زيرك، فأجابها الجرذ من حجره: من أنت? قالت: أنا خليلتك المطوقة. فأقبل إليها الجرذ يسعى، فقال لها: ما أوقعك في هذه الورطة? قالت له: ألم تعلم أنه ليس من الخير والشر شيء إلا هو مقدرٌ على من تصيبه المقادير، وهي التي أوقعتني في هذه الورطة؛ فقد لا يمتنع من القدر من هو أقوى مني وأعظم أمراً؛ وقد تنكسف الشمس والقمر إذا قضي ذلك عليهما. ثم إن الجرذ أخذ في قرض العقد الذي فيه المطوقة. فقالت له المطوقة: ابدأ بقطع عقد سائر الحمام، وبع ذلك أقبل على عقدي؛ وأعادت ذلك عليه مراراً، وهو لا يلتفت إلى قولها، فلما أكثرت عليه القول وكررت، قال لها: لقد كررت القول عليّ كأنك ليس لك في نفسك حاجة، ولا لك عليها شفقة، ولا ترعين لها حقاً. قالت: إني أخاف، إن أنت بدأت بقطع عقدي أن تمل وتكسل عن قطع ما بقي؛ وعرفت أنك إن بدأت بهن قبلي، وكنت أنا الأخيرة لم ترضَ وإن أدركك الفتور أن أبقى في الشرك قال الجرذ: هذا مما يزيد الرغبة والمودة فيك. ثم إن الجرذ أخذ في قرض الشبكة حتى فرغ منها، فانطلقت المطوقة وحمامها معها.
فلما رأى الغراب صنع الجرذ، رغب في مصادقته، فجاء وناداه باسمه، فأخرج الجرذ رأسه، فقال له: ما حاجتك? قال: إني أريد مصادقتك. قال الجرذ: ليس بيني وبينك تواصل، وإنما العاقل ينبغي له أن يلتمس ما يجد إليه سبيلاً، ويترك التماس ما ليس إليه سبيلٌ، فإنما أنت الآكل، وأنا طعام لك. قال الغراب: إن أكلي إياك، وإن كنت لي طعاماً، مما لا يغني عني شيئاً؛ وإن مودتك آنس لي مما ذكرت ولست بحقيق، إذا جئت أطلب مودتك، أن تردني خائباً. فإنه قد ظهر لي منك من حسن الخلق ما رغبني فيك، وإن لم تكن تلتمس إظهار ذلك: فإن العاقل لا يخفي فضله، وإن هو أخفاه؛ كالمسك الذي يكتم ثم لا يمنعه ذلك من النشر الطيب والأرج الفائح. قال الجرذ. إن أشد العداوة عداوة الجوهر: وهي عداوتان: منها ما هو متكافئ كعداوة الفيل والأسد. فإنه ربما قتل الأسد الفيل أو الفيل الأسد، ومنها ما قوَّته من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنور وبيني وبينك: فإن العداوة التي بيننا ليست تضرك، وإنما ضررها عائد عليَّ: فإن الماء لو أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفائه النار إذا صب عليها، وإنما مصاحب العدوّ ومصالحه كصاحب الحية يحملها في كمه، والعاقل لا يستأنس إلى العدو الأريب.
قال الغراب: قد فهمت ما تقول، وأنت خليق أن تأخذ بفضل خليقتك، وتعرف صدق مقالتي ولا تصعب عليّ الأمر بقولك: ليس إلى التواصل بيننا سبيل: فإن العقلاء الكرام لا يبتغون على معروف جزاء، والمودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيءٌ انقطاعها. ومثل ذلك مثل الكوز من الذهب: بطيء الانكسار، سريع الإعادة، هيّن الإصلاح، إن أصابه ثلم أو كسر، والمودة بين الأشرار سريعٌ انقطاعها، بطيء اتصالها. ومثل ذلك مثل الكوز من الفخار سريع الانكسار ينكسر من أدنى عيب ولا وصل له أبداً. والكريم يودّ الكريم واللئيم لا يودّ أحداً إلا عن رغبة أو رهبة. وأنا إلى ودّك ومعروفك محتاج: لأنك كريم وأنا ملازم لبابك غير ذائق طعاماً حتى تؤاخيني. قال الجرذ: قد قبلت إخاءك: فإني لم أردد أحداً عن حاجة قطُّ، وإنما بدأت بما بدأتك به إرادة التوثق لنفسي فإن أنت غدرت بي لم تقل: إني وجدت الجرذ سريع الانخداع. ثم خرج من حجره، فوقف عند الباب. فقال له الغراب: ما يمنعك من الخروج إليّ، والاستئناس بي? فهل في نفسك بعد ذلك مني ريبة? قال الجرذ: إن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين ويتواصلون عليهما وهما ذات النفس، وذات اليد. فالمتباذلون ذات النفس هم الأصفياء، وأما المتباذلون ذات اليد فهم المتعاونون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض. ومن كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فإنما مثله فيما يبذل ويعطى كمثل الصياد وإلقائه الحب للطير، لا يريد بذلك نفع الطير وإنما يريد نفع نفسه. فتعاطى ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد. وإني وثقت منك بذات نفسك، ومنحتك من نفسي مثل ذلك. وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظنٍّ بك، ولكن قد عرفت أن لك أصحاباً جوهرهم كجوهرك، وليس رأيهم فيَّ رأيك.
قال الغراب: إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدو صديقه عدواً؛ وليس لي بصاحب ولا صديق من لا يكون لك محباً؛ وإنه يهون عن قطيعة من كان كذلك من جوهري. ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب فتصافحا وتصافيا، وأنس كل واحد منهما بصاحبه؛ حتى إذا مضت لهما أيام قال الغراب للجرذ: إن جحرك قريب من طريق الناس، وأخاف أن يرميك بعض الصبيان بحجرٍ؛ ولي مكان في عزلة، ولي فيه صديقٌ من السلاحف وهو مخصب من السمك ونحن واجدون هناك ما نأكل فأريد أن أنطلق بك إلى هناك لنعيش آمنين. قال الجرذ: إن لي أخبار وقصصاً سأقصها عليك إذا انتهينا حيث تريد فافعل ما تشاء. فأخذ الغراب بذنب الجرذ وطار به حتى بلغ به حيث أراد. فلما دنى من العين التي فيها السلحفاة بصرت السلحفاة بغراب ومعه جرذ فذعرت منه ولم تعلم أنه صاحبها، فناداه فخرجت إليه وسألته من أين أقبلت? فأخبرها بقصته حين تبع الحمام وما كان من أمره وأمر الجرذ حتى انتهى إليها. فلما سمعت السلحفاة شأن الجرذ عجبت من عقله ووفاءه ورحبت به وقالت له: ما ساقك إلى هذه الأرض? قال الغراب للجرذ: اقصص عليّ الأخبار التي زعمت أنك تحدثني بها فأخبرني بها مع جواب ما سألت السلحفاة: فإنها عندك بمنزلتي، فبدأ الجرذ وقال: كان منزلي أول أمري بمدينة ماروت في بيت رجل ناسك وكان خالياً من الأهل والعيال، وكان يؤتى في كل يوم بسلة من الطعام فيأكل منها حاجته ويعلق الباقي، وكنت أرصد الناسك، حتى يخرج وأثب إلى السلة، فلا أدع فيها طعاماً إلا أكلته، وأرمي به إلى الجرذان. فجهد الناسك مراراً أن يعلق السلة مكاناً لا أناله فلم يقدر على ذلك، حتى نزل به ذات ليلة ضيف فأكلا جميعاً، ثم أخذا في الحديث فقال الناسك للضيف: من أي أرض أقبلت? وأين تريد الآن? وكان الرجل قد جاب الآفاق ورأى عجائب فأنشأ يحدث الناسك عمّا وطئ من البلاد، ورأى من العجائب، وجعل الناسك خلال ذلك يصفق بيديه لينفّرني عن السلة، فغضب الضيف وقال: أنا أحدثك وأنت تهزأ بحديثي! فما حملك على أن سألتني? فاعتذر إليه الناسك، وقال: إنما أصفق بيدي لأنفّر جرذاً قد تحيرت في أمره، ولست أضع في البيت شيئاً إلا أكله، فقال الضيف: جرذٌ واحد يفعل ذلك أم جرذان كثيرة? فقال الناسك: فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذكرتني قول الذي قال: لأمر ما باعت هذه المرأة سمسماً مقشوراً بغير مقشور! قال الناسك: وكيف كان ذلك?
قال الضيف: نزلت مرة على رجل بمكان كذا، فتعشينا، ثم فرش لي. وانقلب الرجل على فراشه، فسمعته يقول في آخر الليل لامرأته: إني أريد أن أدعو غداً رهطا ليأكلوا عندنا، فاصنعي لهم طعاماً. فقالت المرأة: كيف تدعو الناس إلى طعامك، وليس في بيتك فضل عن عيالك? وأنت رجل لا تبقي شيئاً ولا تدخره. قال الرجل: لا تندمي على شيءٍ أطعمناه وأنفقناه: فإن الجمع والادخار ربما كانت عاقبته كعاقبة الذئب. قالت المرأة وكيف كان ذلك? قال الرجل: زعموا أنه خرج ذات يوم رجل قانصٌ، ومعه قوصه ونشابه فلم يجاوز غير بعيد، حتى رمى ظبياً، فحمله ورجع طالباً منزله، فاعترضه خنزير بريٌّ فرماه بنشابةٍ نفذت فيه، فأدركه الخنزير وضربه بأنيابه ضربة أطارت من يده القوس، ووقعا ميتين، فأتى عليهم ذئب فقال: هذا الرجل والظبي والخنزير يكفيني أكلهم مدةً، ولكن أبدأ بهذا الوتر فآكله، فيكون قوت يومي، فعالج الوتر حتى قطعه فلما انقطع طارت سية القوس فضربت حلقه فمات. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلمي أن الجمع والادخار وخيم العاقبة. فقالت المرأة: نعم ما قلت! وعندنا من الأرز والسمسم ما يكفي ستة نفر أو سبعة، فأنا غاديةٌ على اصطناع الطعام، فادع من أحببت. وأخذت المرأة حين أصبحت سمسماً فقشرته، وبسطته في الشمس ليجفِّ، وقالت لغلام لهم: اطرد عنه الطير والكلاب وتفرغت المرأة لصنعها؛ وتغافل الغلام عن السمسم؛ فجاء كلبٌ، فعاث فيه؛ فاستقذرته المرأة، وكرهت أن تصنع منه طعاماً ما؛ فذهبت به إلى السوق، فأخذت به مقايضة سمسماً غير مقشور: مثلاً بمثلٍ، وأنا واقفٌ في السوق؛ فقال رجلٌ: لأمرٍ ما باعت هذه المرأة سمسماً مقشوراً بغير مقشورٍ. وكذلك قولي في هذا الجرذ الذي ذكرت أنه على غير علةٍ ما يقدر على ما شكوت منه. فالتمس لي فأساً لعلي أحتقره جحره فأطلع على بعض شأنه. فاستعار الناسك من بعض جيرانه فأساً، فأتى بها الضيف،


يتبع

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالأربعاء 7 مايو 2008 - 15:30

البقيه

وأنا حينئذٍ في غير جحري أسمع كلامهما، وفي جحري كيس فيه مائة دينار، لا أدري من وضعها، فاحتفر الضيف حتى انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال الناسك: ما كان هذا الجرذ يقوى على الوثوب حيث كان يثب إلا بهذه الدنانير: فإن المال جعل له قوة وزيادة في الرأي والتمكن. وسترى بعد هذا أنه لا يقدر على الوثوب حيث كان يثب. فلما كان من الغد اجتمع الجرذان التي كانت معي فقالت: قد أصابنا الجوع، وأنت رجائنا فانطلقت ومعي الجرذان إلى المكان الذي كنت أثب منه إلى السلة فحاولت ذلك مراراً: فلم أقدر عليه فاستبان للجرذان نقص حالي فسمعتهن يقلن: انصرفن عنه، ولا تطمعن فيما عنده: فإنا نرى له حالاً لا نحسبه إلا قد احتاج معها إلى من يعوله. فتركني، ولحقن بأعدائي وجفونني، وأخذن في غيبتي عند من يعاديني ويحسدني. فقلت في نفسي: ما الإخوان ولا الأعوان ولا الأصدقاء إلا بالمال ووجدت من لا مال له، إذا أراد أمراً قعد به العدم عمّا يريده: كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الشتاء: لا يمر إلى نهر ولا يجري إلى مكان، فتشربه أرضه. ووجدت من لا إخوان له لا أهل له، ومن لا ولد له لا ذكر له: ومن لا مال له لا عقل له، ولا دنيا ولا آخرة له: لأن الرجل إذا افتقر قطعه أقاربه وإخوانه: فإن الشجرة النابتة في السباخ، المأكولة من كل جانب، كحال الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس.
ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالباً إلى صاحبه كل مقت، ومعدن النميمة. ووجدت الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمناً، وأساء به الظن من كان يظن فيه حسناً: فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعاً. وليس من خلة هي للغني مدح إلا وهي للفقير ذمٌ، فإن كان شجاعاً قيل: أهوج، وإن كان جواداً سمّي مبذراً، وإن كان حليماً سمي ضعيفاً، وإن كان وقورا سمي بليداً. فالموت أهون من الحاجة التي تحوج صاحبها إلى المسألة، ولا سيما مسألة الأشحاء واللئام: فإن الكريم لو كلف أن يدخل يده في فم الأفعى، فيخرج منه سماً فيبتلعه كان ذلك أهون عليه وأحب إليه من مسألة البخيل اللّئم. وقد كنت رأيت الضيف حين أخذ الدنانير فقاسمها الناس، فجعل الناسك نصيبه في خريطة عند رأسه ولما جنّ الليل، فطمعت أن أصيب منها شيئاً فأرده إلى جحري، ورجوت أن يزيد ذلك في قوتي، ويراجعني بسببه بعض أصدقائي. فانطلقت إلى الناسك وهو نائم، حتى انتهيت عند رأسه، ووجدت الضيف يقظان، وبيده قضيب، فضربني على رأسي ضربة موجعة، فسعيت إلى جحري. فلما سكن عني الألم، هيجني الحرص والشره، فخرجت طمعاً كطمعي الأول، وإذا الضيف يرصدني، فضربني ضربة أسالت مني الدم، فتقلبت ظهراً لبطن إلى جحري، فخررت مغشياً عليّ، فأصابني من الوجع ما بغض إلى المال رعدة وهيبة. ثم تذكرت فوجدت البلاء في الدنيا إنما يسوقه الحرص والشره، ولا يزال صاحب الدنيا في بلية وتعب ونصب، ووجدت تجشم الأسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون عليّ من بسط اليد إلى السَّخىِّ بالمال، ولم أر كالرضا شيئاً، فصار أمري إلى أن رضيت وقنعت، وانتقلت من بيت الناسك إلى البرية، وكان لي صديق من الحمام، فسيقت إلي بصداقته صداقة. ثم ذكر لي الغراب ما بينك وبينه من المودة، وأخبرني أنه يريد إتيانك، فأحببت أن آتيك معه، فكرهت الوحدة، فإنه لا شيء من سرور الدنيا يعدل صحبة الإخوان، ولا غم فيها يعدل البعد عنهم. وجربت: فعلمت أنه لا ينبغي للعاقل أن يلتمس من الدنيا غير الكفاف الذي يدفع به الأذى عن نفسه: وهو اليسير من المطعم والمشرب، إذا اشتمل على صحة البدن ورفاهة البال.
ولو أن رجلاً وهبت له الدنيا بما فيهان لم يك ينتفع من ذلك إلا بالقليل الذي يدفع به عن نفسه الحاجة: فأقبلت مع الغراب إليك على هذا الرأي، وأنا لك أخ، فلتكن منزلتي عندك كذلك. فلما فرغ الجرذ من كلامه أجابته السلحفاة بكلامٍ رقيقٍ عذبٍ، وقالت: قد سمعت كلامك، وما أحسن ما تحدثت به! إلا أني رأيتك تذكر بقايا أمورٍ هي في نفسك. واعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن يتداو به، لم يغن به شيئاً، ولم يجد لدائه راحة ولا خفةً. فاستعمل رأيك، ولا تحزن لقلة المال: فإن الرجل ذا المروءة قد يكرم على غير مال: كالأسد الذي يهاب، وإن كان رابضاً، والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال: كالكلب لا يحفل به، وإن طوق وخلخل بالذهب. فلا تكبرنّ عليك غربتك: فإن العاقل لا غربة له: كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوته. فلتحسن تعاهدك لنفسك: فإنك إذا فعلت ذلك جاءك الخير يطلبك كما يطلب الماء انحداره. وإنما جُعلَ الفضل للحازم البصير بالأمور، وأما الكسلان المتردد فإن الفضل لا يصحبه. وقد قيل في أشياء ليس لها ثباتٌ ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة الأشرار، والبناء على غير أساس، والمال الكثير: فالعاقل لا يحزن لقلته، وإنما مال العاقل عقله، وما قدّم من صالح، فهو واثق بأنه لا يسلب ما عمل ولا يوآخذ بشيءٍ لم يعمله، وهو خليق ألا يغفل عن أمر أخرته: فإن الموت لا يأتي إلا بغتةً، ليس له وقت معين. وأنت عن موعظتي غني بما عندك من العلم. ولكن رأيت أن أقضي مالك من حق قبلنا: لأنك أخونا وما عندنا من النصح مبذول لك. فلما سمع الغراب كلام السلحفاة للجرذ وردها عليه وملاطفتها إياه فرح بذلك وقال: لقد سررتني وأنعمت عليّ، وأنت جديرة أن تسرّي نفسك بمثل ما سررتني به. وإن أولى أهل الدنيا بشدّة السرور من لا يزال عنده منهم جماعة يسرهم ويسرونه، ويكون من وراء أمورهم وحاجاتهم بالمرصاد: فإن الكريم إذا عثر لا يأخذ بيده إلا الكرام: كالفيل إذا وحل لا تخرجه إلا الفيلة. فبينما الغراب في كلامه، إذ أقبل نحوهم ظبي يسعى، فذعرت منه السلحفاة، فغاصت في الماء، وخرج الجرذ إلى جحره، وطار الغراب فوقع على شجرة.
ثم إن الغراب حلّق في السماء لينظر هل للظبي طالب? فنظر فلم ير شيئاً؛ فنادى الجرذ والسلحفاة، وخرجا، فقالت السلحفاة للظبي، حين رأته ينظر إلى الماء: اشرب إن كان بك عطش، ولا تخف: فإنه لا خوف عليك. فدنا الظبي فرحبت به السلحفاة وحيّته وقالت له: من أين أقبلت? قال: كنت أسنح بهذه الصحارى فلم تزل الأساورة تطردني من مكان إلى مكان حتى رأيت اليوم شبحاً. فخفت أن يكون قانصاً قالت: لا تخف: فإنا لم نرى هاهنا قانصاً قط، ونحن نبذل لك ودّنا ومكاننا والماء والمرعى كثيران عندنا فارغب في صحبتنا. فأقام الظبي معهم وكان لهم عريش يجتمعون فيه ويتذاكرون الأحاديث والأخبار. فبينما الغراب والجرذ والسلحفاة ذات يوم في العريش غاب الظبي فتوقعوه ساعة فلم يأت. فلما أبطأ أشفقوا أن يكون قد أصابه عنتٌ، فقال الجرذ والسلحفاة للغراب: انظر هل ترى مما يلينا شيئاً? فحلق الغراب في السماء فنظر: فإذا الظبي في الحبائل مقتنصاً فانقض مسرعاً فأخبرهما بذلك فقالت السلحفاة والغراب للجرذ: هذا أمر لا يرجى فيه غيرك، فأغث أخاك، فسعى الجرذ مسرعاً، فأتى الظبي، فقال له: كيف وقعت في هذه الورطة وأنت من الأكياس? قال الظبي: هل يغني الكيس مع المقادير شيئاً، فبينما هما في الحديث إذ وافتهما السلحفاة فقال لها الظبي. ما أصبت بمجيئك إلينا: فإن القانص لو انتهى إلينا وقد قطع الجرذ الحبائل استبقه عدواً، وللجرذ أحجارٌ كثيرة، والغراب يطير وأنت ثقيلة: لا سعى لك ولا حركة وأخاف عليك القانص. فقالت: لا عيش مع فراق الأحبة وإذا فارق الأليف أليفه فقد سلب فؤاده، وحرم سروره، وغشى بصره، فلم ينتهي كلامهما حتى وافى القانص، ووافق ذلك فراغ الجرذ من قطع الشرك، فنجا الظبي بنفسه، وطار الغراب محلقاً ودخل الجرذ بعض الأحجار ولم يبق غير السلحفاة، ودنا الصياد فوجد حبالته مقطّعة، فنظر يميناً وشمالاً فلم يجد غير السلحفاة تدب، فأخذها وربطها، فلم يلبث الغراب والجرذ والظبي أن اجتمعوا فنظروا القانص قد ربط السلحفاة فاشتد حزنهم، وقال الجرذ: ما أرانا نجاوز عقبة من البلاء إلا صرنا في أشد منها. ولقد صدق الذي قال: لا يزال الإنسان مستمراً في إقباله ما لم يعثر، فإذا عثر لجَّ به العثار وإن مشى في جدد الأرض. وحذري على السلحفاة خير الأصدقاء التي خلتها ليست للمجازاة ولا لالتماس مكافأة، ولكنها خلة الكرم والشرف، خلة هي أفضل من خلة الوالد لولده، خلة لا يزيلها إلا الموت. ويحٌ لهذا الجسد الموكل به البلاء الذي لا يزال في تصرف وتقلب، ولا يدوم له شيء، ولا يلبث معه أمر: كما لا يدوم للطالع من النجوم طلوع، ولا للآفل منها أفولٌ، لكن لا يزال للطالع منها آفلاً، والآفل طالعاً، وكما تكون آلام الكلوم وانتقاض الجراحات، كذلك من قرحت كلومه بفقد إخوانه بعد اجتماعه بهم.
فقال الظبي والغراب للجرذ: إنّ حذرنا وحذرك وكلامك، وإن كان بليغاً، كلٌ منها لا يغني عن السلحفاة شيئاً، وإنه كما يقال: إنما يختر الناس عند البلاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء، والأهل والولد عند الفاقة، كذلك يختبر الإخوان عند النوائب. قال الجرذ: أرى من الحيلة أن تذهب أيها الظبي فتقع بمنظر من القانص: كأنك جريح، ويقع الغراب عليك كأنه يأكل منك، وأسعى أنا فأكون قريباً من القانص، مراقباً له، فعلّه أن يرمي ما معه من الآلة، ويضع السلحفاة، ويقصدك طامعاً فيك، راجياً تحصيلك. فإذا دنا منك ففر عنه رويداً: بحيث لا ينقطع طمعه منك، ومكنه من أخذك مرة بعد مرة، حتى يبعد عنا، وانْحُ منه هذا النحو ما استطعت: فإني أرجو ألا ينصرف إلا وقد قطعت الحبائل عن السلحفاة، وأنجو بها. ففعل الغراب والظبي ما أمرهما به الجرذ، وتبعهما القانص، فاستجره الظبي، حتى أبعده عن الجرذ والسلحفاة، والجرذ مقبلٌ على قطع الحبائل، حتى قطعها، ونجا بالسلحفاة، وعاد القانص مجهوداً لاغباُ فوجد حبالته مقطعة. ففكر في أمره مع الظبي المتظالع، فظن أنه خولط في عقله وفكر في أمر الظبي والغراب الذي كأنه يأكل منه وقرض حبالته فاستوحش من الأرض وقال: هذه أرض جنٍّ أو سحرة. فرجع مولياً لا يلتكس شيئاً ولا يلتفت إليه. واجتمع الغراب والظبي والجرذ والسلحفاة إلى عريشهم سالمين آمنيين كأحسن ما كانوا عليه. فإذا كان هذا الخلق مع صغره وضعفه قد قدر على التخلص م مرابط الهلكة مرة بعد أخرى بمودته وخلوصها وثبات قلبه عليها واستمتاعه مع أصحابه بعضهم ببعض فالإنسان الذي قد أعطي العقل والفهم. وألهم الخير ولا شر ومنح التميز والمعرفة، أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد. فهذا مثل إخوان الصفاء وأتلافهم في الصحبة

منقوووول

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالسبت 10 مايو 2008 - 14:50

كليله ودمنه 665836


اخوان الصفاء

line3






قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت مثل إخوان الصفاء وتعاونهم، فاضرب لي مثل العدوّ الذي لا ينبغي أن يغتر به، وإن أظهر تضرعاً وملقاً، قال الفيلسوف: من اغتر بالعدو الذي لم يزل عدواً، أصابه ما أصاب البوم من الغربان. قال الملك وكيف كان ذلك?
قال بيدبا: زعموا أنه كان في جبل في الجبال شجرة من شجر الدوح، فيها وكر ألف غراب، وعليهن والٍ من أنفسهن، وكان عند هذه الشجرة كهف فيه ألف بوم، وعليهن والٍ منهن. فخرج ملك البوم لبعض غدواته وروحاته، وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان وملكها مثل ذلك للبوم، فأغار ملك البوم في أصحابه على الغربان في أوكارها، فقتل وسبى منها خلقاً كثيراُ، وكانت الغارة ليلاً، فلما أصبحت الغربان اجتمعت إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما لقينا الليلة من ملك البوم، وما منّا لإلا أصبح قتيلاً أو جريحاً أو مكسور الجناح أو منتوف الريش أو مقطوف الذنب وأشد مما أصابنا ضراً علينا جراءتهن علينا، وعلمهن بمكاننا، وهنّ عائدات إلينا غير منقطعات عنّا: لعلمهنّ بمكاننا: فإنما نحن لك، ولك الرأي، أيها الملك، فانظر لنا ولنفسك، وكان في الغربان خمسة معترف لهن بحسن الرأي، يسند إليهنّ في الأمور، ويلقى عليهن أزمة الأحوال. وكان الملك كثيراً ما يشاورهن في الأمور، ويأخذ آراءهن في الحوادث والنوازل. فقال الملك للأول من الخمسة: ما رأيك في هذا الأمر? قال: رأي قد سبقتنا إليه العلماء، وذلك أنهم قالوا: ليس للعدو الحنق إلا الهرب منه. قال الملك للثاني: ما رأيك في هذا الأمر? قال: رأي ما رأى هذا من الهرب. قال الملك: لا أرى لكما ذلك رأياً، أن نرحل عن أوطاننا ونخليها لعدونا من أول نكبة أصابتنا منه ولا ينبغي لنا ذلك ولكن نجمع أمرنا ونستعد لعدونا ونذكي نار الحرب فيما بيننا وبين عدونا ونحترس من الغرة إذا أقبل إلينا فنلقاه مستعدين ونقاتله قتالاً غير مراجعين فيه، ولا مقصرين عنه وتلقى أطرافنا أطراف العدو ونتحرز بحصوننا وندافع عدونّا: بالأناة مرة وبالجلاد أخرى حيث نصيب فرصتنا وبغيتنا، وقد ثنينا عدونا عنّا. ثم قال الملك للثالث: ما رأيك أنت? قال: ما أرى ما قالا رأياً. ولكن نبث العيون ونبعث الجواسيس ونرسل الطلائع بيننا وبين عدونا فنعلم أيريد صلحنا أم يريد حربنا أم يريد الفدية? فإن رأينا أمره أمر طامع في مال، لم نكره الصلح على خراجٍ نؤديه إليه كل سنة، ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا: فغن من أراء الملوك إذا أشتدت شوكة عدوهم، فخافوه على أنفسهم وبلادهم، أن يجعلوا الأموال جنة البلاد والملك والرعية. قال الملك للرابع: فما رأيك في هذا الصلح? قال لا أراه رأياً بل أن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خيرٌ من أن نضيع أحسابنا ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه مع أن البوم لو عرضنا ذلك عليهن لما رضين منّا إلا بالشَّطط. ويقال في الأمثال: قارب عدوك بعض المقاربة: لتنال حاجتك.
ولا تقاربه كل المقاربة: فيتجرىء عليك ويضعف جندك وتذلَّ نفسك. ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس: إذا أملتها قليلاً زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظلُّ. وليس عدونا راضياً منّا بالدون في المقاربة، فالرأي لنا ولك المحاربة. قال الملك للخامس: ما تقول أنت? وماذا ترى: القتال أم الصلح أم الجلاء عن الوطن? قال: أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه وقد يقال: إنه من لا يعرف نفسه وعدوه وقاتل من لا يقوى عليه، حمل نفسه على حتفها مع أن العاقل لا يستصغر عدواً: فإن من استصغر عدوه اغتر به ومن اغتر بعدوه لم يسلم منه. وأنا للبوم شديد الهيبة وإن أضربن عن قتالنا وقد كنت أهابها قبل ذلك، فإن الحازم لا يأمن عدوه على كل حال فإن كان بعيداً لم يأمن سطوته، وإن كان مكثباً لم يأمن من وثبته، وإن كان وحيداً لم يأمن من مكره. وأحزم الأقوام وأكسيهم من كره القتال لجل النفقة فيه: فإن ما دون القتال النفقة فيه من الأموال والقول والعمل، والقتال النفقة فيه من الأنفس والأبدان. فلا يكونن القتال للبوم من رأيك، أيها الملك: فإن من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرر بنفسه. فإذا كان الملك محصناً للأسرار، متخيراً للوزراء، مهيباً في أعين الناس، بعيداً من أن يقدر عليه، كان خليقاً ألا يسلب صحيح ما أوتى من الخير. وأنت، أيها الملك، كذلك. وقد استشرتني في أمر جوابك منّي عنه، في بعضه علانية، وفي بعضه سرٌ وللأسرار منازل: منها ما يدخل فيه الرهط، ومنها ما يستعان فيه بالقوم، ومنها ما يدخل فيه الرجلان. ولست أرى لهذا السر على قدر منزلته أن يشارك فيه إلا أربع آذانٍ ولسانان. فنهض الملك من ساعته، وخلا به، فاستشاره، فكان أول ما سأله عنه الملك أنه قال: هل يعلم ابتداء عداوة ما بيننا وبين البوم? قال: نعم: كلمة تكلم بها غراب. قال الملك: وكيف كان ذلك? قال الغراب: زعموا أن جماعة من الكراكي لم يكن لها ملك، فأجمعت أمرها على أن يملكن عليهن ملك البوم فبينما هي في مجمعها إذ وقع لها غراب، فقالت: لو جاءنا هذا الغراب. لاستشرناه؛ فلم يلبثن دون أن جاءهن الغراب. فاستشرنه، فقال: لو أن الطير بادت من الأقاليم، وفقد الطاوس والبط والنعام والحمار من العالم لما اضطررتن إلى أن تملّكن عليكنّ البوم التي هي أقبح الطير منظراً، وأسوؤها خلقاً، وأقلها عقلاً، وأشدها غضباً وأبعدها من كل رحمة، مع عماها وما بها من العشا بالنهار، وأشد من ذلك وأقبح أمورها سفهها وسوء أخلاقها، إلا أن ترين أن تملكنها وتكن أنتن تدبرن الأمور دونها برأيكن وعقولكن، كما فعلت الأرنب التي زعمت أن القمر ملكها، ثم عملت برأيها، قال الطير: وكيف كان ذلك?
قال الغراب: زعموا أن أرضاً من أراضي الفيلة تتابعت عليها السنون، وأجدبت، وقل ماؤها، وغارت عيونها، وذوى نبتها، ويبس شجرها، فأصاب الفيلة عطش شديد: فشكون ذلك إلى ملكهن، فأرسل الملك رسوله ورواده في طلب الماء، في كل ناحية. فرجع إليه بعض الرسل، فأخبره إني قد وجدت بمكان كذا عيناً يقال لها عين القمر، كثيرة الماء. فتوجه ملك الفيلة بأصحابه إلى تلك العين ليشرب منها هو وفيلته. وكانت العين في أرض للأرانب، فوطئن الأرانب في أجحارهن، فأهلكن منهن كثيراً، فاجتمعت الأرانب إلى ملكها فقلن له: قد علمت ما أصابنا من الفيلة فقال: ليحضرن منكن كل ذي رأي رأيه. فتقدمت أرنبٌ من الأرانب يقال لها فيروز. وكان الملك يعرفها بحسن الرأي والأدب، فقالت: إن رأى الملك أن يبعثني إلى الفيلة ويرسل معي أميناً، ليرى ويسمع ما أقول، ويرفعه إلى الملك، فقال لها الملك: أنت أمينة، ونرضى بقولك، فانطلقي إلى الفيلة، وبلغي عني ما تريدين. واعلمي أن الرسول برأيه وعقله، ولينه وفضله، يخبر عن عقل المرسل. فعليك باللين والرفق والحلم والتأني: فإن الرسول هو الذي يلين الصدور إذا رفق، ويخشن الصدور إذا خرق. ثم إن الأرنب انطلقت في ليلة قمراء، حتى انتهت إلى الفيلة، وكرهت أن تدنو منهن: مخافة أن يطأنها بأرجلهن، فيقتلنها، وإن كنّ غير متعمدات. ثم أشرفت على الجبل ونادت ملك الفيلة وقالت له: إن القمر أرسلني إليك، والرسول غير ملوم فيما يبلغ، وإن أغلظ في القول. قال ملك الفيلة: فما الرسالة? قالت: يقول لك: إن من عرف فضل قوته على الضعفاء، فاغتر بذلك في شأن الأقوياء، قياساً لهم على الضعفاء، كانت قوته وبالاً عليه. وأنت قد عرفت فضل قوتك على الدواب، فغرّك ذلك، فعمدت إلى العين التي تسمى باسمي، فشربت منها، وكدّرتها. فأرسلني إليك: فأنذرك ألا تعود إلى مثل ذلك. وإنك إن فعلت أُغشِّ بصرك، وأتلف نفسك. وإن كنت في شكٍّ من رسالتي، فهلم إلى العين من ساعتك: فإني موافيك بها. فعجب ملك الفيلة من قول الأرنب، فانطلق إلى العين مع فيروز الرسول. فلما نظر إليها، رأى ضوء القمر فيها. فقالت له فيروز الرسول: خذ بخرطومك من الماء فاغسل به وجهك، واسجد للقمر. فأدخل الفيل خرطومه في الماء، فتحرك فخيل للفيل أن القمر ارتعد. فقال: ما شأن القمر ارتعد? أتراه غضب من إدخالي الخرطوم في الماء? قالت فيروز الأرنب: نعم. فسجد الفيل للقمر مرة أخرى، وتاب إليه مما صنع، وشرط ألا يعود إلى مثل ذلك هو ولا أحد من فيلته. قال الغراب: ومع ما ذكرت من أمر البوم إن فيها الخبَّ والمكر والخديعة، وشر الملوك الخادع، ومن ابتلى بسلان مخادع، وخدمه، أصاب ما أصاب الأرنب والفرد حين احتكما إلى السنور. قالت الكراكي: وكيف كان ذلك? قال الغراب: كان لي جاراً من االصفاردة في أصل شجرة قريبة من وكرى وكان يكثر مواصلتي ثم فقدته فلم أعلم أين غاب وطالت غيبته عني. فجاءت أرنب إلى مكان الصفرد فسكنته فكرهت أن أخاصم الأرنب فلبثت فيه زماناً. ثم إن الصفرد غاد بعد زمان فأتى منزله فوجد فيه الأرنب. فقال لها : هذا المكان لي ، فانتقلي عنه. قالت الأرنب: المسكن لي، وتحت يدي؛ وأنت مدّع له. فإن كان لك حقٌ فاستعد بإثباته عليّ. قال الصفرد: القاضي منا قريب: فهلمي بنا إليه. قالت الأرنب: ومن القاضي? قال الصفرد: إن بساحل البحر سنوراً متعبداً، يصوم النهار، ويقوم الليل كله؛ ولا يؤذي دابةٍ، ولا يهرق دماً، عيشه من الحشيش ومما يقذفه إليه البحر. فإن أحببت تحاكمنا إليه، ورضينا به. . قالت الأرنب: ما أرضاني به إذا كان كما وصفت. فانطلقا إليه فتبعهما لأنظر إلى حكومة الصوام القوام ثم إنهما ذهبا إليه فلما بصر النور بالأرنب والصفرد مقبيلين نحوه، انتصب قائماً يصلي، وأظهر الخشوع والتنسك. فعجبا لما رأيا من حاله ودنوا منه هائبين له، وسلما عليه وسألاه أن يقضي بينهما. فأمر هما أن يقصا عليه القصة ففعلا. فقال لهما: قد بلغني الكبر وثقلت أذناي: فادنوا مني فاسمعانى ما تقولان. فدنوا منه، وأعادا عليه القصة وسألاه الحكم فقال قد فهمت ما قلتما، وأنا مبتدئكما بالنصيحة قبل الحكومة بينكما: فأنا آمركما بتقوى الله وألاتطلبا إلا الحق هو الذي يفلح، وأن قضى عليه وطالب الحق هو الذي يفلح وإن قضى عليه وطالب الباطل مخصوم وإن قضى له. وليس لصاحب الدنيا من دنياه شئ لا مال ولا صديق سوى العمل الصالح يقدمه فذو العقل حقيق أن يكون سعيه في طلب ما يبقى وعود نفعه عليه غداً، وأن يمقت بسعيه فيما سوى ذلك من أمور الدنيا: فإن منزلة المال عند العاقل بمنزلة المدر، ومنزلة الناس عنده فيما يحب أهم من الخير ويكره من الشر بمنزلة نفسه. ثم إن السّنّور لم يزل يقصّ عليهما من جنس هذا وأشباهه، حتى أنسا إليه، وأقبلا عليه، ودنوا منه، ثم وثب عليهما فقتلهما. قال الغراب: ثم إن البوم تجمع مع ما وصفت لكن من الشؤم سائر العيوب: فلا يكونن تمليك البوم من رأ يكن. فلما سمع الكراكى ذلك من كلام الغراب أضربن عن تمليك البوم. وكان هناك بوم حاضر قد سمع ما قالوا، فقال الغراب: لقد وترتني أعظم الترة، ولا أعلم أنه سلف مني إليك سوءٌ أوجب هذا. وبعد فاعلم أن الفأس يقطع به الشجر فيعود ينبت السيف يقطع اللحم ثم يعود فيندمل واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسى مقاطعه. والنصل من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج، وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج. ولكل حريق مطفئٌ: فللنار الماء، وللسم الدواء وللحزن الصبر ونار الحقد لا تخبو أبداً. وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر الحقد والعداوة والبغضاء.



يتبع


v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالسبت 10 مايو 2008 - 14:56

فلما قضى البوم مقالته، ولىّ مغضباً، فأخبر ملك البوم بما جرى وبكل ما كان منقول الغراب، ثم إن الغراب ندم على ما فرط منه، وقال: والله لقد خرقت في قولي الذي جلبت به العداوة والبغضاء على نفسي وقومي! وليتني لم أخبر الكراكي بهذه الحال! ولا أعلمتها بهذا الأمر! ولعل أكثر الطير قد رأى أكثر مما رأيت، وعلم أضعاف ما علمت، فمنعها من الكلام بمثل ما اتقاء ما لم أتق، والنظر فيما لم أنظر فيه من حذار العواقب، لا سيما إذا كان الكلام أفظع كلام، يلقى منه سامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة، فلا ينبغي لأشباه هذا الكلام، أن تسمى كلاماً، ولكن سهاماً. والعاقل، وإن كان واثقاً بقوته وفضله، لا ينبغي أن يحمل ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة، كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالاً على ما عنده. وصاحب حسن العمل، وإن قصر به القول في مستقبل الأمر، كان فضله بيّناً واضحاً في العاقبة والاختار، وصاحب حسن القول، وإن أعجب الناس منه حسن صفته للأمور لم تحمد عاقبة أمره. وأنا صاحب القول الذي لا عاقبة له محمودة. أليس من سفهي اجترائي على التكلم في الأمر الجسيم لا أستشير فيه أحداً، ولم أعمل فيه رأياً? ومن لم يستشر النصاء الأولياء، وعمل برأيه من غير تكرار النظر والروية، لم يغتبط بمواقع رأيه. فما كان أغناني عما كسبت يومي هذا، وما وقعت فيه من الهم! وعاتب الغراب نفسه بهذا الكلام وأشباهه وذهب. فهذا ما سألتني عنه من ابتداء العداوة بيننا وبين البوم.
وأما القتال فقد علمت رأيي فيه، وكراهتي له، ولكن عندي من الرأي والحيلة غير القتال ما يكون فيه الفرج إن شاء الله تعالى: فإنه ربَّ قوم قد احتالوا بآرائهم حتى ظفروا بما أرادوا. ومن ذلك حديث الجماعة الذين ظفروا بالناسك، وأخذوا عريضه قال الملك: وكيف كان ذلك?
قال الغراب: زعموا ان ناسكاً اشترى عريضاً ضخماً ليجعله قرباناً، فانطلق به يقوده فبصر به قوم من المكرة، فأتمروا بينهم أن يأخذوه من الناسك. فعرض له أحدهم فقال له: أيها الناسك، ما هذا الكلب الذي معك? ثم عرض له الآخر فقال لصاحبه: ما هذا الناسك، لأن الناسك لا يقود كلباً. فلم يزالو مع الناسك على هذا ومثله حتى لم يشك أنَّ الذي يقوده كلبٌ، وأن الذي باعه إياه سحر عينه، فأطلقه من يده، فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا به. وإنما ضربت لك هذا المثل لما أرجو أن نصيب من حاجتنا بالرفق والحيلة. وإني أريد من الملك أن ينقرني على رؤوس الأشهاد، وينتف ريشي وذنبي، ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة، ويرتحل الملك هو وجنوده إلى مكان كذا. فأرجو أنّي أصبر وأطلع على أحوالهم، ومواضع تحصينهم وأبوابهم، فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم، وننال منهم غرضنا إن شاء الله تعالى.
قال الملك: أتطيب نفسك لذلك? قال: نعم، وكيف لا تطيب نفسي لذلك وفيه أعظم الراحات للملك وجنوده? ففعل الملك بالغراب ما ذكر، ثم ارتحل عنه فجعل الغراب يئن ويهمس حتى رأته البوم وسمعته يئن، فأخبرن ملكهن بذلك، فقصد نحوه ليسأله عن الغربان فلما دنا منه أمر بوماً أن يسأله فقال له: من أنت? وأين الغربان? فقال: أما اسمي ففلان، وأما ما سألتني عنه فإني أحسبك ترى أن حالي حال من لا يعلم الأسرار فقيل لملك البوم: هذا وزير ملك الغربان وصاحب رأيه، فنسأله بأي ذنب صنع به ما صنع? فسئل الغراب عن أمره فقال: إن ملكنا استشار جماعتنا فيكنَّ: وكنت يومئذٍ بمحضرٍ من الأمر، فقال: أيها الغربان، ما ترون في ذلك? فقلت: أيها الملك لا طاقة لنا بقتال البوم: لأنهن أشد بطشاً، وأحد قلباً منَّا ولكن أرى أن نلتمس الصلح، ثم نبذل الفدية في ذلك، فإن قبلت البوم ذلك منّا، وإلا هربنا في البلاد وإذا كان القتال بيننا وبين البوم كان خيراً لهنّ وشراً لنا، فالصلح أفضل من الخصومة وأمرتهنَّ بالرجوع عن الحرب، وضربت لهن الأمثال في ذلك، وقلت لهن: إن العدوّ الشديد لا يرد بأسه وغضبه مثل الخضوع له: ألا ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الريح للينه وميله معها حيث مالت فعصينني في ذلك وزعمن أنهن يردن القتال وأتهمنني في ما قلت، وقلنا إنك قد مالأت البوم علينا ورددنَ قولي ونصيحتي وعذبنني بهذا العذاب وتركني الملك وجنوده وأرتحل ولا علم لي بهن بعد ذلك: فلما سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض وزرائه: ما تقول في الغراب? وما ترى فيه? قال: ما أرى إلا المعاجلة له بالقتل: فإن هذا أفضل عُدَدِ الغربان، وفي قتله لنا راحة من مكره وفقده على الغربان شديد ويقال: من ظفر بالساعة التي فيها ينجح العمل ثم لا يعاجله بالذي ينبغي له فليس بحكيم ومن طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله فاته الأمر وهو خليق ألا تعود له الفرصة ثانية ومن وجد عدوه ضعيفاً ولم ينجز قتله ندم إذا استقوى ولم يقدر عليه قال الملك لوزير آخر: ما ترى أنت في هذا الغراب? قال: أرى ألا تقتله: فإن العدو الذليل الذي لا ناصر له أهلٌ لأن يستبقى ويرحم ويصفح عنه ولا سيما المستجير الخائف: فإنه أهلٌ لأن يؤمن.
قال ملك البوم لوزير آخر من وزائه: ما تقول في الغراب? قال: أرى أن تستبقيه وتحسن إليه: فإنه خليق أن ينصحك والعاقل يرى معادات بعض أعدائه بعضاً ظفراً حسناً ويرى أشتغال بعض أعدائه ببعض خلاصاً لنفسه منهم ونجاة كنجاة الناسك من اللص والشيطان حين اختلفا عليه قال الملك له: وكيف كان ذلك?
قال الوزير: زعموا أن ناسكاً أصاب من رجل بقرة حلوباً فانطلق بها يقودها إلى منزله، فعرض له لص أراد سرقتها واتبعه شيطان يريد اختطافه. فقال الشيطان للص: من أنت? قال أنا اللص، أريد أن أسرق البقرة من الناسك إذا نام. فمن أنت? قال: أنا الشيطان أريد أختطافه إذا نام وأذهب به فاتهيا على هذا إلى المنزل فدخل الناسك منزله ودخلا خلفه وأدخل البقرة فربطها في زاوية المنزل وتعشى ونام. فأقبل اللص والشيطان يأتمران فيه واختلفا على من يبدأ بشغله أولاً فقال الشيطان للص: إن أنت بدأت بأخذ البقرة فربما استيقظ وصاح، واجتمع الناس: فلا أقدر على أخذه فأنظرني ريثما آخذه، وشأنك وما تريد. فأشفق اللص إن بدأ الشيطان باختطافه فربما استيقظ فلا يقدر على أخذ البقرة، فقال: لا، بل انظرني أنت حتى آخذ البقرة وشأنك وما تريد فلم يزالا في المجادلة هكذا حتى نادى اللص: أيها الناسك انتبه: فهذا الشيطان يريد اختطافك، ونادى الشيطان: أيها الناسك انتبه: فهذا اللص يريد أن يسرق بقرتك فانتبه الناسك وجيرانه بأصواتهما، وهرب الخبيثان. قال الوزير الأول الذي أشار بقتل الغراب: أظن أن الغراب قد خدعكنَّ ووقع كلامه في نفس الغبي منكنّ موقعه، فتردن أن تضعنّ الرأي في غير موضعه فمهلاً مهلاً أيها الملك عن هذا الرأي. فلم يلتفت الملك إلى قوله وأمر الغراب أن يحمل إلى منازل البوم، ويكرم ويستوصى به خيراً.
ثم إن الغراب قال للملك يوماً وعنده جماعة من البوم وفيهن الوزير الذي أشار بقتله: أيها الملك قد علمت ما جرى عليّ من الغربان وأنه لا يستريح قلبي إلا بأخذي بثأري منهن، وإني قد نظرت في ذلك فإذا بي لا أقدر على ما رمت: لأني غراب وقد روى عن العلماء أنهم قالوا: من طابت نفسه بأن يحرقها فقد قرب لله أعظم القربان لا يدعو عند ذلك بدعوة إلا استجيب له فإن رأى الملك أن يأمرني فأحرق نفسي وأدعو ربي أن يحولني بوماً فأكون أشد عداوة وأقوى بأساً على الغربان لعلي أنتقم منهن! قال الوزير الذي أشار بقتله: ما أشبهك في خير ما تظهر وشر ما تخفي إلا بالخمرة الطيبة الطعم والريح المنقع فيها السم أرأيت لو أحرقنا جسمك بالنار كان جوهرك وطباعك متغيرة! أليست أخلاقك تدور معك حيثما درت، وتصير بعد ذلك إلى أصلك وطويتك? كالفأرة التي خيرت في الأزواج بين الشمس والريح والسحاب والجبل فلم يقع اختيارها إلا على الجرذ وقيل له: وكيف كان ذلك?

يتبع



v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالسبت 10 مايو 2008 - 14:57

قال: زعموا أنه كان ناسكاً مستجاب الدعوة فبينما هو ذات يوم جالساً على ساحل البحر إذ مرت به حدأة في رجلها درص فأرة فوقعت منها عند الناسك، وأدركته لها رحمة، فأخذها ولفها في ورقة، وذهب بها إلى منزله، ثم خاف أن تشق على أهله تربيتها فدعا ربه أن يحولها جارية: فتحولت جارية حسناء فانطلق بها إلى امرأته، فقال لها هذه ابنتي فاصنعي معها صنيعك بولدي. فلما كبرت قال لها الناسك: يا بنية أختاري من أحببت حتى أزوجك به. فقالت، أما إذا خيرتني فإني أختار زوجاً يكون أقوى الأشياء. فقال الناسك لعلك تريدين الشمس! ثم انطلق إلى الشمس فقال: أيها الخلق العظيم إن لي جارية وقد طلبت زوجاً يكون أقوى الأشياء، فهل أنت متزوجها? فقالت الشمس أنا أدلك على من هو أقوى مني: السحاب الذي يغطيني، ويرد حر شعاعي ويكسف أشعة أنواري. فذهب الناسك إلى السحاب فقال له ما قال للشمس، فقال السحاب: وأنا أدلك على من هو أقوى مني: فاذهب إلى الريح التي تقبل بي وتدبر وتذهب بي شرقاً وغرباً فجاء الناسك إلى الريح فقال لها كقوله للسحاب فقالت: وأنا أدلك على من هو أقوى مني وهو الجبل الذي لا أقدر على تحريكه فمضى إلى الجبل وقال له القول المذكور فأجابه الجبل وقال له: أنا أدلك على من هو أقوى مني: الجرذ الذي لا أستطيع الامتناع منه إذا ثقبني واتخذني مسكناً. فانطلق الناسك إلى الجرذ فقال له: هل أنت متزوج هذه الجارية? فقال وكيف أتزوجها وجحري ضيق? إنما يتزوج الجرذ الفأرة فدعا الناسك ربه أن يحولها فأرة كما كانت وذلك برضى الجارية، فأعادها الله إلى عنصرها الأول فانطلقت مع الجرذ فهذا مثلك أيها المخادع فلم يلتفت ملك البوم إلى ذلك القول، ورفق بالغراب ولم يزدد له إلا إكراماً حتى إذا طاب عيشه ونبت ريشه واطلع على ما أراد أن يطلع عليه راغ روغة. فأتى أصحابه بما رأى وسمع فقال للملك: إني قد فرغت مما كنت أريد ولم يبقى إلا أن تسمع وتطيع، فقال له: أنا والجند تحت أمرك، فاحتكم كيف شئت.
قال الغراب: إن البوم بمكان كذا في جبل كثير الحطب وفي ذلك الموضع قطيع من الغنم مع رجل راع، ونحن مصيبون هناك ناراً، ونلقيها في أنقاب البوم ونقذف عليها من يابس الحطب ونتراوح عليها ضرباً بأجنحتنا حتى تضرم النار في الحطب: فمن خرج منهن احترق ومن لم يخرج مات بالدخان موضعه ففعل الغربان ذلك: فأهلكنّ البوم قاطبةً ورجعن إلى منازلهن سالمات آمنات.
ثم إن ملك الغربان قال لذلك الغراب: كيف صبرت على صحبة البوم ولا صبر للأخيار على صحبة الأشرار? فقال الغراب: إنما ما قلته أيها الملك لكذلك لكن العاقل إذا أتاه الأمر الفظيع العظيم الذي يخاف من عدم تحمله الجائحة على نفسه وقومه لم يجزع من شدة الصبر عليه، لما يرجو من أن يعقبه صبره حسن العاقبة زكثير الخير فلم يجد لذلك ألماً، ولم تكره نفسه الخضوع لمن هو دونه حتى يبلغ حاجته فيغتبط بخاتمة أمره وعاقبة صبره. فقال الملك: أخبرني عن عقول البوم: فقال الغراب: لم أجد فيهن عاقلاً إلا الذي كان يحثهن على قتلي، وكان حرضهن على ذلك مراراً فكن أضعف شيء رأياً! فلم ينظرن في رأيه ويذكرن أني قد كنت ذا منزلة في الغربان، وأني أعد من ذوي الرأي ولم يتخوفن مكري وحيلتي ولا قبلنّ من الناصح الشفيق ولا أخفين دوني أسرارهن وقد قال العلماء: ينبغي للملك أن يحصن أموره من أهل النميمة ولا يطلع أحداً منهم على مواضع سره فقال الملك: ما أهلك البوم في نفسي إلا الغي، وضعف رأي الملك وموافقته وزراء السوء فقال الغراب: صدقت أيها الملك، إنه قلما ظفر أحد بغنىً ولم يطع، وقلّ من أكثر من الطعام إلا مرض. وقلّ من وثق بوزراء السوء وسلم من أن يقع في المهالك وكان يقال: لا يطمعنّ ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخبُّ في كثرة الصديق، ولا السّيّ الأدب في الشرف، ولا الشحيح في البرّ، ولا الحريص في قلة الذنوب ولا الملك المحتال، المتهاون بالأمور، الضعيف الوزراء في ثبات ملكه، وصلاح رعيّته قال الملك: لقد احتملت مشقّة شديدة في تصنعك للبوم، وتضرعك لهنّ قال الغراب: إنه من احتمل مشقة يرجو نفعها، ونحى عن نفسه الأنفة والحمية، ووطنها على الصبر حمد غب رأيه، كما صبر الأسود على حمل ملك الضفادع على ظهره، وشبع بذلك وعاش قال الملك: وكيف كان ذلك? قال الغراب: زعموا أن أسود من الحيات كبر، وضعف بصره وذهبت قوته: فلم يستطع صيداً ولم يقدر على طعام وأنه انساب يتلمس شيئاً يعيش به، حتى انتهى إلى عين كثيرة الضفادع، قد كان يأتيها قبل ذلك، فيصيب من ضفاضعها رزقه فرمى نفسه قريباً منهنّ مظهراً للكآبة والحزن فقال له ضفدع: ما لي أراك أيها الأسود كئيباً حزيناً? قال: ومن أحرى بطول الحزن مني! وإنما كان أكثر معيشتي مما كنت أصيب من الضفادع فابتليت ببلاء وحرمت على الضفادع من أجله، حتى إني إذا التقيت ببعضها لا أقدر على إمساكه. فانطلق الضفدع إلى ملك الضفادع، فبشره بما سمع من الأسود فقال له: كيف كان أمرك? قال سعيت منذ أيام في طلب ضفدع وذلك عند المساء فاضطررته إلى بيت ناسك، ودخلت في أثره في ظلمة وفي البيت ابن الناسك، فأصبت إصبعه، فظننت أنها الضفدع، فلدغته فمات فخرجت هارباً، فتبعني الناسك في أثري، ودعا عليّ ولعنني وقال: كما قتلت ابني البريء ظلماً وتعدياً، أدعو عليك أن تذل وتصير مركباً لملك الضفادع، فلا تستطيع أخذها، ولا أكل شيء منها، إلا ما يتصدق به عليك ملكها فأتيت إليك لتركبني مقراً بذلك راضياً به فرغب ملك الضفادع بركوب الأسود، وظن أن ذلك فخراً له وشرف ورفعة فركب و استطاب له ذلك.
فقال له الأسود: قد علمت أيها الملك أني محروم فاجعل لي رزقاً أعيش به فقال ملك الضفادع: لعمري لابد من رزق يقوم بك، إذا كنت مركبي فأمر له بضفدعين يؤخذان في كل يوم ويدفعان إليه فعاش بذلك، ولم يضره خضوعه للعدو الذليل، بل انتفع بذلك وصار له رزقاً ومعيشة وكذلك كان صبري على ما صبرت عليه، التماساً لهذا النفع العظيم الذي اجتمع لنا فيه الأمن الظفر، وهلاك العدو والراحة منه ووجدت صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالاً للعدو من صرعة المكابرة: فإن النار لا تزيد بحدتها وحرها إذا أصابت الشجرة على أن تحرق ما فوق الأرض منها والماء ببرده ولينه يستأصل ما تحت الأرض منها ويقال أربعة أشياء لا يستقل قليلها: النار والمرض والعدو والدين. قال الغراب: وكل ذلك من رأى الملك وأدبه وسعادة جدّه وإنه كان يقال: إذا طلب اثنان أمراً ظفر به منها أفضلهما مروءة فإن اعتدلا في المروءة فأشدهما عزماً. فإن استويا في العزم فأسعدهما جداً وكان يقال: من حارب الملك الحازم الأريب المتضرع الذي لا تبطره السراء ولا تدهشه الضراء كان هو داعي الحتف إلى نفسه، ولا سيما إذا كان مثلك أيها الملك العالم بفروض الأعمال، ومواضع الشدة واللين، والغضب والرضا والمعاجلة والأناة الناظر في أمر يومه وغده، وعواقب أعماله قال الملك للغراب: بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن طالعك كان ذلك، فإن رأى الرجل الواحد، العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود الكثيرة، من ذوي البأس والنجدة، والعدد والعدة. وإن من عجيب أمرك عندي طول لبثك بين ظهراني البوم تسمع الكلام الغليظ، ثم لم تسقط بينهن بكلمة! قال الغراب: لم أزل متمسكاً بأدبك أيها الملك: أصحب البعيد والقريب، بالرفق واللين، والمبالغة والمواتاة. قال الملك: أصبحت وقد وجدتك صاحب العمل، ووجدت غيرك من الوزراء أصحاب أقاويل: ليس لها عاقبة حميدة فقد منّ الله علينا بك منّة عظيمة لم نكن قبلها نجد لذة الطعام والشراب، ولا النوم ولا القرار وكان يقال: لا يجد المريض لذة الطعام والنوم حتى يبرأ، ولا الرجل الشره الذي قد أطعمه سلطانه في مال وعمل في يده، حتى ينجزه له، ولا الرجل الذي قد ألح عليه عدوه، وهو يخافه صباحاً ومساءً حتى يستريح منه قلبه ومن وضع الحمل الثقيل عن يديه أراح نفسه ومن أمن عدوه ثلج صدره.
قال الغراب: أسأل الله الذي أهلك عدوك أن يمتعك بسلطانك، وأن يجعل في ذلك صلاح رعيتك، ويشركهم في قرة العين بملكك! فإن الملك إذا لم يكن في ملكه قرة عيون رعيته، فمثله مثل زنمة العنز التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فلا يصادف فيها خيراً. قال الملك: أيها الوزير الصالح، كيف كانت سيرة البوم وملكها في حروبها، وفيما كانت فيه من أمورها? قال الغراب: كانت سيرته سيرة بطر، وأشر وخيلاء وعجز وفخر مع ما فيه من الصفات الذميمة وكل أصحابه ووزرائه شيبه به، إلا الوزير الذي كان يشير عليه بقتلي: فإنه كان حكيماً أريباً، فيلسوفاً حازماً عالماً، قلما يرى مثله في علو الهمة، وكمال العقل، وجودة الرأي قال الملك: وأي خصلة رأيت منه كانت أدل على عقله? قال خلتان: إحداهما رأيه في قتلي والأخرى أنه لم يكتم صاحبه نصيحته وإن استقلها ولم يكن كلامه كلام عنف وقسوة ولكنه كلام رفق ولين حتى إنه ربما أخبره ببعض عيوبه ولا يصرح بحقيقة الحال بل يضرب له الأمثال ويدثه بعيب غيره فيعرف عيبه فلا يجد ملكه إلى الغضب عليه سبيلاً وكان مما سمعته يقول لملكه: إنه لا ينبغي للملك أن يغفل عن أمره فإنه أمر جسيم لا يظفر به من الناس إلا قليل ولا يدرك إلا بالحزم فإن الملك عزيز فمن ظفر به فليحسن حفظه وتحصينه، فإنه قد قيل إنه في قلة بقاءه بمنزلة قلة بقاء الظل عن ورق النيلوفر وهو في خفة زواله، وسرعة إقباله وإدباره كالريح وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئام، وفي سرعة اضمحلاله كحباب الماء من وقع المطر. فهذا مثل أهل العداوة الذين لا ينبغي أن يغتر بهم، وإن هم أظهروا تودداً وتضرعاً.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالأربعاء 21 مايو 2008 - 15:26

كليله ودمنه 665836

باب ابن الملك وأصحابه

line3


قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فإن كان الرجل لا يصيب الخير إلا بعقله ورأيه وتثبته في الأمور كما يزعمون، فما بال الرجل الجاهل يصيب البلاء والضر?. قال بيدبا: كما أن الإنسان لا يبصر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، كذلك العمل، إنما هو بالحلم والعقل والتثبت، غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك. ومثل ذلك مثل ابن الملك وأصحابه. قال الملك: وكيف كان ذلك? قال الفيلسوف: زعموا أن أربعة نفر اصطحبوا في طريق واحدة، أحدهم ابن الملك والثاني ابن تاجر والثالث ابن شريف ذو جمال والرابع ابن أكار. وكانوا جميعاً محتاجين، وقد أصابهم ضرر وجهد شديد في موضع غربة لا يملكون إلا ما عليهم من الثياب. فبينما هم يمشون إذ فكروا في أمرهم وكان كل إنسان منهم راجعاً إلى طباعه وما كان يأتيه منه الخير: قال ابن الملك: إنما أمر الدنيا كله بالقضاء والقدر، والذي قدر على الإنسان يأتيه على كل حال، والصبر للقضاء والقدر وانتظارهما أفضل الأمور وقال ابن التاجر: العقل أفضل من كل شيء وقال ابن الشريف: الجمال أفضل مما ذكرتم.
ثم قال ابن الأكار: ليس في الدنيا أفضل من الاجتهاد في العمل فلما قربوا من مدينة يقال لها مطرون، جلسوا في ناحية منها يتشاورون: فقالوا لابن الأكار: انطلق فاكتسب لنا باجتهادك طعاماً ليومنا هذا. فانطلق ابن الأكار، وسأل عن عمل إذا عمله الإنسان يكتسب فيه طعام أربعة نفر فعرّفوه أنه ليس في تلك المدينة شيء أعز من الحطب، وكان الحطب منها على فرسخ. فانطلق ابن الأكار فاحتطب طناً من الحطب، وأتى به المدينة فباعه بدرهم واشترى به طعاماً وكتب على باب المدينة: عمل يوم واحد إذا أجهد فيه الرجل بدنه قيمته درهم. ثم انطلق إلى أصحابه بالطعام فأكلوا. فلما كان من الغد: قالوا ينبغي للذي قال إنه ليس شيء أعز من الجمال أن تكون نوبته. فانطلق ابن الشريف ليأتي المدينة، ففكر في نفسه وقال: أنا لست أحسن عملاً فما يدخلني المدينة? ثم استحيا أن يرجع إلى أصحابه بغير طعام، وهمّ بمفارقتهم. فانطلق حتى أسند ظهره إلى شجرة عظيمة، فغلبه النوم فنام. فمر به رجل من عظماء المدينة فراقه جماله وتوسم فيه شرف النِّجَّار فرقَّ له ومنحه خمسمائة درهم. فكتب على باب المدينة: جمال يوم واحد يساوي خمسمائة درهم. وأتى بالدراهم إلى أصحابه. فلما أصبحوا في اليوم الثالث، قالوا لابن التاجر: انطلق أنت فاطلب لنا بعقلك وتجارتك ليومنا هذا شيئاً. فانطلق ابن التاجر فلم يزل حتى بصر بسفينة من سفن البحر كثيرة المتاع قد قدمت إلى الساحل، فخرج إليها جماعة من التجّار يريدون أن يبتاعوا مما فيها من المتاع. فجلسوا يتشاورون في ناحية من المركب، وقال بعضهم لبعض: ارجعوا يومنا هذا لا نشتري منهم شيئاً حتى يكسد المتاع عليهم فيرخصوا علينا، مع أننا محتاجون إليه، وسيرخص. فخالف الطريق وجاء إلى أصحاب المركب، فابتاع منهم ما فيه بمائة ألف دينار نسيئة وأظهر أنه يريد أن ينقل متاعه إلى مدينة أخرى. فلما سمع التجار ذلك خافوا أن يذهب ذلك المتاع من أيديهم، فأربحوه على ما اشتراه مائة ألف درهم، وأحال عليهم أصحاب المركب بالباقي، وحمل ربحه إلى أصحابه وكتب على باب المدينة: عقل يوم واحد ثمنه مائة ألف درهم. فلما كان اليوم الرابع قالوا لابن الملك: انطلق أنت واكتسب لنا بقضائك وقدرك.
فانطلق ابن الملك حتى أتى إلى باب لمدينة فجلس على متكأ في باب المدينة، واتفق أن ملك تلك الناحية مات ولم يخلف ولداً ولا أحداً ذا قرابة. فمرّوا عليه بجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم يحزنون. فأنكروا حاله وشتمه البواب، وقال له: من أنت يا هذا? وما يجلسك على باب المدينة ولا نراك تحزن لموت الملك? وطرده البواب عن الباب فلما ذهبوا عاد الغلام فجلس مكانه. فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب فغضب وقال له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع? وأخذه وحبسه. فلما كان الغد اجتمع أهل تلك المدينة يتشاورون فيمن يملكونه عليهم، وكلٌّ منهم يتطاول ينظر صاحبه، ويختلفون بينهم. فقال لهم البواب: إني رأيت أمس غلاماً جالساً على الباب، ولم أره يحزن لحزننا، فكلمته فلم يجبني، فطردته عن الباب. فلما عدت رأيته جالساً فأدخلته السجن مخافة أن يكون عيناً. فبعثت أشراف أهل المدينة إلى الغلام فجاءوا به، وسألوه عن حاله، وما أقدمه إلى مدينتهم. فقال: أنا ابن ملك فويران، وإنه لما مات والدي غلبني أخي على المُلكْ، فهربت من يده حذراً على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغاية. فلما ذكر الغلام ما ذكره من أمره عرفه من كان يغشى أرض أبيه منهم، وأثنوا على أبيه خيراً. ثم إن الأشراف اختاروا الغلام أن يملكوه عليهم ورضوا به. وكان لأهل تلك المدينة سنة إذا ملكوا عليهم ملكاً حملوه على فيل أبيض، وطافوا به حوالي المدينة. فلما فعلوا به ذلك مرّ بباب المدينة فرأى الكتابة على الباب فأمر أن يكتب: إن الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الرجل في الدنيا من خير أو شر إنما هو بقضاء وقدر من الله عزّ وجل. وقد ازددت في ذلك اعتباراً بما ساق الله إلي من الكرامة والخير. ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على سرير ملكه وأرسل إلى أصحابه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء، وضمّ صاحب الاجتهاد إلى أصحاب الزرع، وأمر لصاحب الجمال بمالٍ كثير ثم نفاه كي لا يفتتن به. ثم جمع علماء أرضه وذوي الرأي منهم وقال لهم: أما أصحابي فقد تيقنوا أن الذي رزقهم الله سبحانه وتعالى من الخير إنما هو بقضاء الله وقدره، وإنما أحب أن تعلموا ذلك وتستيقنوه، فإن الذي منحني الله وهيأه لي إنما كان بقدر، ولم يكن بجمال ولا عقل ولا اجتهاد. وما كنت أرجو إذ طردني أخي أن يصيبني ما يعيشني من القوت فضلاً عن أن أصيب هذه المنزلة، وما كنت أؤمل أن أكون بها: لأني قد رأيت في هذه الأرض من هو أفضل مني حسناً وجمالاً، وأشد اجتهاداً وأسد رأياً، فساقني القضاء إلى أن أعتززت بقدر من الله، وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى استوى قائماً، وقال: إنك قد تكلمت بكلام كامل عقل وحكمة، وإن الذي بلغ بك ذلك وفوز عقلك وحسن ظنّك، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك. وقد عرفنا ما ذكرت، وصدقناك فيما وصفت. والذي ساق الله إليك من المُلكِ والكرامة كنت أهلاً له، لما قسم الله تعالى لك من العقل والرأي. وإني أسعد الناس في الدنيا والآخرة من رزقه الله رأياً وعقلاً.
وقد أحسن الله إلينا إذ وفق لنا عند موت ملكنا وكرّمنا بك. ثم قام شيخ آخر سائح فحمد الله عزّ وجل وأثنى عليه وقال: إني كنت أخدم وأنا غلام قبل أن أكون سائحاً، رجلاً من أشراف الناس. فلما بدا لي رفض الدنيا فارقت ذلك الرجل، وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين، فأردت أن أتصدق بأحدهما، وأستبقي الآخر، فأتيت السوق، فوجدت مع رجل من الصيادين زوج هدهد، فساومت فيهما فأبى الصياد أن يبيعهما إلا بدينارين، فاجتهدت أن يبيعنيهما بدينار واحد فأبى. فقلت في نفسي: أشتري أحدهما وأترك الآخر. ثم فكرت وقلت لعلهما يكونا زوجين ذكراً وأنثى فأفرق بينهما، فأدركني لهما رحمة فتوكلت على الله وابتعتهما بدينارين وأشفقت إن أرسلتهما في أرض عامرة أن يصادا، ولا يستطيعا أن يطيرا مما لقيا من الجوع والهزال، ولم آمن عليهما الآفات. فانطلقت بهما إلى مكان كثير المرعى والأشجار بعيد عن الناس والعمران، فأرسلتهما، فطارا ووقعا على شجرة مثمرة. فلما صارا في أعلاها شكرا لي، وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه، واستنقذنا ونجّانا من الهلكة. وإنا لخليقان أن نكافئه بفعله. وإنّ في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير. أفلا ندله عليها فيأخذها? فقلت لهما: كيف تدلانني على كنز لم تره العيون وأنتما لم تبصرا الشبكة? فقالا: إن القضاء إذا نزل صرف العيون عن موضع الشيء وغشّى البصر وإنما صرف القضاء اعيننا عن الشرك ولم يصرفها عن هذا الكنز. فاحتفرت واستخرجت البرنية وهي مملوءة دنانير، فدعوت لهما بالعافية، وقلت لهما: الحمد لله الذي علّمكما ما لم تعلما، وأنتما تطيران في السماء، وأخبرتما ما تحت الأرض. قالا لي: أيها العاقل، أما تعلم أن القدر غالب على كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يتجاوزه. وأنا اخبر الملك بذلك رأيته: فإن أمر الملك أتيته بالمال فأودعته في خزائنه. فقال الملك ذلك لك، وموفّر عليك.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالأحد 1 يونيو 2008 - 15:38

كليله ودمنه 665836


باب الاسد والشغير الناسك وهو ابن آوى

line3


قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل فاضرب لي مثل الملك الذي يراجع من أصابته منه عقوبة من غير جرم أو جفوة من غير ذنب. قال الفيلسوف: إن الملك لو لم يراجع من أصابته منه جفوة عن ذنب أو عن غير ذنب، ظلم أولم يظلم لأضر ذلك ويخبر ما عنده من المنافع فإن كان ممن يوثق به في رأيه وأمانته، فإن الملك حقيق بالحرص على مراجعته: فإن الملك لا يستطاع ضبطه إلا مع ذوي الرأي وهم الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة، ولا مودة ولا نصيحة إلا لذوي الرأي والعفاف. وأعمال السلطان كثيرة، والذين يحتاج إليهم من العمال والأعوان كثيرون. ومن يجمع منهم ما ذكرت من النصيحة والعفاف قليل. والمثل في ذلك مثل الأسد وابن آوى. قال الملك: وكيف كان ذلك?
قال الفيلسوف: زعموا أن ابن آوى كان يسكن في بعض الدحال وكان متزهداً متعففاً، مع بنات آوى وذئاب وثعالب. ولم يكن يصنع ما يصنعن، ولا يغير كما يغرن، ولا يهريق دماً ولا يأكل لحماً. فخاصمه تلك السباع، وقلن لا نرضى بسيرتك و لا رأيك الذي أنت عليه من تزهدك: مع أن تزهدك لا يغني عنك شيئاً. وأنت لا تستطيع أن تكون إلا كأحدنا: تسعى معنا، وتفعل فعلنا فما الذي كفك عن الدماء وعن أكل اللحم? قال ابن آوى: إن صحبتي إياكن لا تؤثمني إذا لم أؤثم نفسي: لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب، ولكنها من قبل القلوب والأعمال. ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحاً، وصاحب المكان السيء يكون عمله فيه سيئاً، كان حينئذ من قتل الناسك في محرابه لم يأثم، ومن استحياه في معركة القتال أثم. وإني إنما صحبتكن بنفسي، ولم أصحبكن بقلبي وأعمالي: لأني أعرف ثمرة الأعمال: فلزمت حالي: وثبت ابن آوى على حاله تلك واشتهر بالنسك والتزهد حتى بلغ ذلك أسداً كان ملك تلك الناحية فرغب فيه: لما بلغه عنه من العفاف والنزاهة والزهد والأمانة فأرسل إليه يستدعيه. فلما حضر كلمه وآنسه فوجده في جميع الأمور وفق غرضه. ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته وقال له: تعلم أن عمالي كثير وأعواني جم غفير وأنا مع ذلك إلى الأعوان محتاج. وقد بلغني عنك عفاف وأدب وعقل ودين فازددت فيك رغبة. وأنا موليك من عملي جسيماً ورافعك إلى منزلة شريفة وجاعلك من خاصتي. قال ابن آوى: إن الملوك أحقاء باختيار الأعوان فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم. وهم أحرى ألا يكرهوا على ذلك أحداً: فإن المكره لا يستطيع البالغة في العمل. وإني لعمل السلطان كاره. وليس لي به تجربة ولا بالسلطان رفق. وأنت ملك السباع وعندك من أجناس الوحوش عدد كثير فيهم أهل نبل وقوة ولهم على العمل حرص وعندهم به وبالسلطان رفق: فإن استعملتهم أغنوا عنك واغتبطوا لأنفسهم بما أصابهم من ذلك. قال الأسد: دع عنك هذا: فإني غير معفيك من العمل. قال ابن آوى: إنما يستطيع خدمة السلطان رجلان لست بواحد منهما: إما فاجر مصانع ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته وإما مغفل لا يحسده أحد. فن أراد أن يخدم السلطان بالصدق والعفاف فلا يخلط ذلك بمصانعته وحينئذ قل أن يسلم على ذلك: لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد. أما الصديق فينافسه في منزلته ويبغى عليه فيها ويعاديه لأجلها وأما عدو السلطان فيضطغن عليه لنصيحته لسلطانه وإغنائه عنه. فإذا اجتمع عليه هذان الصنفان فقد تعرض للهلاك. قال الأسد: لا يكونن بغي أصحابي عليك وحسدهم إياك مما يعرض في نفسك: فأنت معي وأنا أكفيك ذلك وأبلغ بك من درجات الكرامة والإحسان على قدر همتك. قال ابن آوى: إن كان الملك يريد الإحسان إلي فليدعني في هذه البرية أعيش آمناً قليل الهم راضياً بعيشي من الأذى والخوف في ساعة واحدة ما لا يصل إلى غيره في طول عمره وإن قليلاً من العيش في آمن وطمأنينة خير من كثير من العيش في خوف ونصب. قال الأسد: قد سمعت مقالتك، فلا تخف شيئاً مما أراك تخاف منه. وست أجد بداً من الاستعانة بك في أمري. قال ابن آوى : أنا إذا أبى الملك إلا ذلك فليعجل لي عهداً إن بغى على أحد من أصحابه عنده، ممن هو فوقي: مخافة على منزلته، أو ممن هو دون: لينازعني في منزلتي فذكر عند الملك منهم ذاكر بلسانه، أو على لسان غيره ما يريد به تحميل الملك على ألا يعجل في أمر وأن يتثبت فيما يرفع إليه ويذكر عنده من ذلك ويفحص عنه ثم ليصنع ما بدا له. فإذا وثقت منه بذلك أعنته بنفسي فيما يحب وعملت له فيما أولاني بنصيحة واجتهاد وحرصت على ألا أجعل له على نفسي سبيلاً. قال الأسد: لك ذلك على وزيادة. ثم ولاه خزائنه واختص به دون أصحابه وزاد في كرامته. فلما رأى أصحاب الأسد ذلك غاظهم وساءهم? فأجمعوا كيدهم، واتفقوا كلهم على أن يحملوا عليه الأسد وكلن الأسد قد استطاب لحماً فعزل منه مقدراً، وأمره بالاحتفاظ به، وأن يرفعه في أحصن موضع طعامه وحملوه إلى بيت ابن آوى، فخبئوه فيه، ولا علم له به، ثم حضروا يكذبونه إن جرت في ذلك حال. فلما كان من الغد ودعا الأسد بغدائه، فقد ذلك اللحم، فالتمسه ولم يجده، وابن آوى لم يشعر بما صنع في حقه من المكيدة. فحضر الذين عملوا المكيدة، وقعدوا في المجلس. ثم إن الملك سأل عن اللحم، وشدد فيه، وقي المسألة عنه، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال أحدهم قول المخبر الناصح: إنه لا بد لنا من أن نخبر الملك بما يضره وينفعه، وإن شق ذلك على من يشق عليه. وإنه بلغني أن ابن آوى هو الذي ذهب باللحم إلى منزله. قال الآخر: لا أراه يفعل هذا، ولكن انظروا وفحصوا فإن معرفة الخلائق شديدة. فقال الآخر: لعمري ما تكاد السرائر تعرف، وأظنكم إن فحصتم عن هذا وجدتم اللحم ببيت ابن آوى، وكل شيء يذكر من عيوبه وخيانته نحن أحق أن نصدقه. قال الآخر: لئن وجدنا هذا حقاً فليست بالخيانة فقط، ولكن مع الخيانة كفر النعمة، والجراءة على الملك. قال الآخر: أنتم أهل العدل والفضل، لا أستطيع أن أكذبكم، ولكن سيبين هذا لو أرسل إلى الملك من يفتشه. قال الآخر: إن كان الملك مفتشاً منزله فليعجل: فإن عيونه وجواسيسه مبثوثة بكل مكان. ولم يزالوا في الكلام و أشباهه، حتى وقع في نفس الأسد ذلك، فأمر بابن آوى فحضر فقال له: أين اللحم الذي أمرتك بالاحتفاظ به، قال: دفعته إلى صاحب الطعام ليقربه إلى الملك. فدعا الأسد بصاحب الطعام، وكان ممن وبايع مع القوم على ابن آوى. فقال: ما دفع إلى شيئاً. فأرسل الأسد أميناً إلى بيت ابن آوى ليفتشه، فوجد فيه ذلك اللحم، فأتى به الأسد. فدنا من الأسد ذئب لم يكن تكلم في شيء من ذلك. وكان يظهر أنه من العدول الذين لا يتكلمون فيما لا يعلمون، حتى يتبين لهم الحق. فقال: بعد أن اطلع الملك على خيانة ابن آوى فلا يعفونَّ عنه: فإنه إن عفا عنه لم يطلع الملك بعدها على خيانة خائن، ولا ذنب مذنب. فأمر الأسد بابن آوى أن يخرج، ويحتفظ به. فقال بعض جلساء الملك: إني لأعجب من رأي الملك ومعرفته بالأمور كيف يخفى عليه أمر هذا، ولم يعرف خبثه ومخادعته? وأعجب من هذا أني أراه سيصفح عنه، بعد الذي ظهر منه. فأرسل الأسد بعضهم رسولاً إلى ابن آوى يلتمس منه العذر، فرجع إليه الرسول برسالة كاذبة اخترعها فغضب الأسد من ذلك وأمر بابن آوى أن يقتل. فعلمت أم الأسد أنه قد عجّل في أمره، فأرسلت إلى الذين أمروا بقتله أن يؤخروه، ودخلت على ابنها، فقالت: يا بني بأي ذنب أمرت بقتل ابن آوى? فأخبرها بالأمر. فقالت: يا بنيَّ عجّلت. وإنما يسلم العاقل من الندامة بترك العجلة وبالتثبت. والعجلة لا يزال صاحبها يجتني ثمرة الندامة، بسبب ضعف الرأي. وليس أحد أحوج إلى التُّؤدة والتثبت من الملوك: فإن المرأة بزوجها، والولد بوالديه، والمتعلم بالمعلم والجند بالقائد، والناسك بالدين، والعامة بالملوك، والملوك بالتقوى، والتقوى بالعمل، والعقل بالتثبت والأناة، ورأس الكل الحزم، ورأس الحزم للملك معرفة أصحابه، وإنزالهم منازلهم على طبقاتهم، واتهامه بعضهم على بعض. فإنه لو وجد بعضهم إلى هلاك بعض سبيلاً لفعل. وقد جربت ابن آوى، وبلوت رأيه وأمانته ومروءته، ثم لم تزل مادحاً له راضياً عنه. وليس ينبغي للملك أن يخوّنه بعد ارتضائه إياه وائتمانه له، ومنذ مجيئه إلى الآن لم يطلع له على خيانة إلا على العفة والنصيحة. وما كان رأي الملك أن يعجل عليه لأجل طابق لحم. وأنت أيها الملك حقيق أن تنظر في حال ابن آوى: لتعلم أنه لم يكن ليتعرّض للحم استودعته إياه. ولعل الملك إن فحص عن ذلك ظهر له أن ابن آوى له خصماء هم الذين أتمروا بهذا الأمر. وهم الذين ذهبوا باللحم إلى بيته فوضعوه فيه: فإن الحدأة إذا كان في رجلها قطعة لحم اجتمع عليها سائر الطير، والكلب إذا كان معه عظم اجتمع عليه الكلاب. وابن آوى منذ كان إلى اليوم نافع، وكان محتملاً لكل ضرر في جنب منفعة تصل إليك، ولكل عناء يكون لك فيه راحة، ولم يطوى دونك سراً.

فبينما أم الأسد تقص عليه هذه المقالة، إذ دخل على الأسد بعض ثقاته، فأخبره ببراءة ابن آوى. فقالت أم الأسد، بعد أن اطلع الملك على براءة ابن آوى: إن الملك حقيق ألا يرخّص لمن سعى به لئلا يتجرءوا إلى ما هو أعظم من ذلك بل يعاقبهم عليه لكي لا يعودوا إلى مثله: فأنه لا ينبغي للعاقل أن يراجع في أمر الكفور للحسنى، الجريء على الغدر، الزاهد في الخير الذي لا يوقن بالآخرة. وينبغي أن يجزى بعمله، وقد عرفت سرعة الغضب وفرط الهفوة، ومن سخط باليسير لم يبلغ رضاه بالكثير. والأولى لك أن تراجع ابن آوى، وتعطف عليه، ولا يوئسنك من مناصحته ما فرط منك إليه من الإساءة: فإن من الناس من لا ينبغي تركه على حال من الأحوال، وهو من عرف بالصلاح والكرم وحسن العهد والشكر والوفاء والمحبة للناس والسلامة من الحسد والبعد من الأذى والاحتمال للإخوان والأصحاب وإن ثقلت عليه منه المئونة. وأما من ينبغي تركه فهو من عرف بالشراسة ولؤم العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد من الرحمة والورع، واتصف بالجحود لثواب الآخرة وعقابها. وقد عرفت ابن آوى وجربته وأنت حقيق بمواصلته. فدعى الأسد بابن آوى وأعتذر إليه مما كان منه ووعده خيراً، وقال: إني معتذر إليك ورادّك إلى منزلتك. فقال ابن آوى: إن شر الأخلاء من التمس منعة نفسه بضر أخيه، ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه، أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق لأجل إتباع هواه. وكثيراً ما يقع ذلك بين الأخلاء. وقد كان من الملك إلى ما علم فلا يغلظن على نفسه ما اخبره به إني به غير واثق، وإنه لا ينبغي لي أن أصحبه: فإن الملوك لا ينبغي أن يصحبوا من عاقبوه أشد العقاب، ولا ينبغي لهم أن يرفضوه أصلاً: فإن ذا السلطان إذا عزل كان مستحقاً للكرامة في حالة إبعاده والإقصاء له. فلم يلتفت الأسد إلى كلامه. ثم قال له: إني قد بلوت طباعك وأخلاقك، وجربت أمانتك ووفاءك وصدقك، وعرفت كذب من تمحّل الحيلة لتحملي عليك. وإني منزلك من نفسي منزلة الأخيار الكرماء، والكريم تنسيه الخلة الواحدة من الإحسان، الخلال الكثيرة من الإساءة. وقد عدنا إلى الثقة بك، فعد إلى الثقة بنا: فإن لنا ولك بذلك غطة وسروراً. فعاد ابن آوى إلى ولاية ما كان يلي، وضاعف له الملك الكرامة، ولم تزده الأيام إلا تقرباً من السلطان.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملائكي
مبحر فوق العادة
مبحر فوق العادة
الملائكي

الساعة الآن :
الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 1191
درجة النشاط : 4342
تاريخ التسجيل : 01/04/2008

كليله ودمنه Empty
مُساهمةموضوع: رد: كليله ودمنه   كليله ودمنه I_icon_minitimeالخميس 11 ديسمبر 2008 - 23:20

كليله ودمنه 665836

الأسـد والخنزيـر

line3

لما حاصر أبو جعفر المنصورُ ابنَ هبيرة، قال:‏ ‏ إن ابن هبيرة يُخَنْدِقُ على نفسه مثل النساء!

‏ ‏ فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إلى المنصور:‏ ‏ "أنت القائلُ كذا وكذا؟ فاخرج إليّ لتبارزني

حتى ترى."‏ ‏ فكتب إليه المنصور:‏ ‏ "ما أجد لي ولك مثلاً في ذلك إلا كأسد لقى خنزيراً، فقال

له الخنزير:‏ ‏ بارِزْني!‏ ‏ فقال الأسد: ما أنت لي بكفء، فإن نالني منك سوء كان ذلك عاراً

عليّ وإن قتلتُك قَتَلْتُ خنزيراً فلم أحصل على حَمْد ولا في قتلي لك فخر.‏ ‏ فقال له الخنزير:

‏ ‏ إن لم تبارزني لأعَرِّفَنَّ السباعَ أنك جَبُنْتَ عني.‏ ‏ فقال الأسد: ‏ ‏ احتمالُ عارِ كَذِبِك أيسرُ من

تلويث راحتي بدمك. ‏



من كتاب "حياة الحيوان الكبرى" للدميري.

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v

*** بحر الأمل *** the sea of hope *** بحر الأمل ***

v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v^v


كليله ودمنه V0A87728
انصروا غزة الجريحه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كليله ودمنه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بـــــــــحـــــــر الأمــــــــــــــــــــل :: حكايات-
انتقل الى: